فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 34

ويقترب الكلب من البيت حائمًا حول"المزبلة"كأنما يبحث عن شيء أضاعه، غير أن عبث الصبية لم يكن ليدعه يتم مهمته، إلا أنهم المرة هذه لم يتمكنوا من دفعه للهرب في اتجاه الحقول، فقد كانت أم ونوس قد أعدت كل شيء حيث فتحت باب الدار على مصارعه الكبير وملأت علبة السمن الفارغة"مصلًا"كانت قد خبأته منذ الفجر بعد أن قامت باستخراج الجبن من الحليب الذي كانت تدره البقرات الخمس التي خلفها برهوم بعض إرث للأسرة؛ لأنها كانت تتوقع عودته في ساعة من هذا اليوم. لقد حاصره الأولاد عند زاوية قريبة من الباب وهم يمطرونه بوابل من الحجارة والنعال البالية، ولم ينجه من ذلك إلا خروج أم ونوس من الدار وصراخها في وجه الصبية وسبابها لهم، فارتدوا عنه هاربين، فكانت فرصته للإفلات منهم؛ فلم يجد غير الباب المفتوح ملاذًا فدخله مسرعًا دائرًا في كل زاوية من الدار.. فلم يحظ بمكان أنسب له من المصطبة العالية حيث كان برهوم يقضي أواخر أيامه"متشمِّسًا"ماصًَّا"المتة" [المتة: نبات يستورد من الأرجنتين ويشرب منقوعه بواسطة ممصّة معدنية] الأرجنتينية ماركة"النحلة"التي كان لا يفضل عليها شرابًا آخر، إلا رشفات من"عرق أبي سعدة"أو"عرق التين"وخاصة عندما يزوره بعض المشايخ المولعين بهذا الصنف، الذي كان يحضره ابنه ونوس من لبنان عندما يعود من بيروت بأجرة ابنته التي تعمل خادمة عند أسرة أرمينية ثرية. إضافة لما يحمله من عند شقيقته"فيوليت" (ظرُّوف سابقًا) التي باعها أبوها لشاب موراني ثري بمبلغ من المال اشترى به"المسطَّحة"الأرض التي أقام عليها"بستان الرمان".. كانت شقراء رائعة، تُعرفُ في القرية باسم"الفرنساوية"لأن أمها - كما قيل -"توحمت"بها على ضابط فرنسي أشقر فجاءت مثله.

ويستريح الكلب قليلًا على المصطبة ويخف لهاثه فتقرِّب إليه"المصل"وما إن يشم رائحته حتى يتحرك من مكانه ليعبّ منه حتى كاد يأتي على آخر نقطة فيه..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت