ولا يطول غيابه كثيرًا، فما يغيب ذيله حتى يظهر رأسه، ولكنه لم يسلم من عين كانت تراقبه وتصاحبه جيئة وذهابًا، إنها عين"أم ونوس"زوج"برهوم الحشاش"الذي مر على وفاته شهور وأيام؛ أحست خلالها بفراغ هائل في حياتها، وخاصة أن صبحها كان يطلُع على أنغام الشتائم"المنقاة"والسباب الذي حفظت ألفاظه وكلماته حتى أنها كانت تعرف ما يتبع كل كلمة لأنها"نشيد الصباح"الذي اعتادت سماعه طيلة أربعين سنة شمسية، وذلك منذ الصباح الأول لعرسها، حينما وقف برهوم أمامها وفتل شاربيه وراح يزرع جسدها ضربًا لا لـ"صوج" [الصوج: الذنب وهي كلمة عامية ولعلها تركية الأصل] أو ذنب اقترفته، ولكن هذا الذي كان يفعله فتيان القرية وشبابها عند أول صباح يلي ليلة الزفاف، فإن لم يكن هذا تعبيرًا عن الفُتوّة والرجولة عقب الزفة و"الدخلة"مباشرة، فإنه يعني بلا شك قطع رأس القط بلا مقدمات، والإيذان بحياة حافلة بالعبودية والأسر والظلم.. لكنها كانت ليلة ذكريات على أية حال.
كانت تنظر إلى الكلب متتبعة كل عضو فيه بعد أن وجدت أن ملامح مشتركة بينه وبين"برهوم"واضحة جلية، وخاصة أن عينيه"العمشاوين"تشبهان إلى حد كبير عيني برهوم.. وأذنيه المصلوميتين تشاكلان أذنيه الصغيرتين.. وإن في مشيته المتشاقلة دليلًا على أنه هو برهوم ذاته في جيله الجديد، لقد كان يستأهل هذا الثوب، فقد كان شريرًا وبخيلًا، ولا يهتم كثيرًا بتعاليم المشايخ ولا يحتفل بالأعياد من أعماق قلبه وخاصة"عيد الرابع" [عيد الرابع: من أعياد النصيرية وهو اليوم الرابع من نيسان شرقي المقابل لـ 17 نيسان (إبريل) غربي] الذي كان لا يجد له متعة إلا إذا شارك في"الوقعة"الكبيرة في بيت"المختار" [المختار: عمدة القرية والمسؤول عن شؤونها] .
وكم من مرة تعرض فيها لـ"اللعن"والطرد لولا تدخل ابنه ونوس الذي كان يرضي المشايخ ببعض الدراهم والدجاج.