قال أبو مسهر الدمشقي: حضر غداء عبد الملك بن مروان يومًا فقال لآذنه: خالد بن عبد الله بن أسيد (1) ، قال: مات يا أمير المؤمنين! قال: فأمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد، قال: مات يا أمير المؤمنين! قال: خالد بن يزيد بن معاوية، قال: مات يا أمير المؤمنين! قال: ففلان، قال: مات يا أمير المؤمنين! قال: وكان عبد الملك قد علم أنهم قد ماتوا فقال: إرفع يا غلام، وقال:
ذهبتْ لِداتي (2) وانقضت آجالهم
وغبرت بعدهم ولست بغابر
ص250
قال محمد بن أعين: كان عندنا فتى قلَّ ما ينام بالليل، يصلي ويقرأ ويسبح؛ فإذا كان من آخر الليل يبكي ويقول:
تفكرت طولَ الليل فيما جنيته
وذكَّرتُ نفسي كلَّ ذنبٍ أتيتُه
وأنكرت منها ما تعاطيتُ في الصبا
كأنَّ شبابي كان سهمًا رميتُه
وسوَّدَ صحفي بالذنوب أوانه
وولّى سريعًا مثلَ حلم رأيته
ص252
قال الحسن بن عبد الله الأديب: أنشدني بعض أهل الأدب:
ألم أقل للشبابِ: في كنف الله
وفي حفظهِ، غداةَ تولّى
زائرٌ لم يزَلْ مقيمًا إلى أن
سوَّدَ الصحف بالذنوب وولى
ص252
قال أبو رهم السدوسي:
من كان يبكي الشبابَ مِن أسفٍ
فلستُ أبكي عليه وأأْسف
كيف وشرخ الشباب عرضني
يوم حسابي لموقف التلف
ص252
قال محمد بن يحيى: سمعت أبا مسهر ينشد:
هَبْكَ عُمِّرتَ مثلَ ما عاش نوح
ثم لاقيت كلَّ ذاكَ (3) يسارا
هل من الموت لا أبا لك بدٌّ؟!
أيُّ حي إلى سوى الموت صارا؟!
ص255
قال: وسمعت أبا مسهر ينشد:
ولا خير في الدنيا لمن لم يكن له
من الله في دار المقام نصيبُ
فإنْ تُعْجِبِ الدنيا رجالًا فإنه
متاعٌ قليلٌ والزوال قريبُ
ص255
قال محمود الوراق:
يبكي على ميتٍ ويغفلُ نفسَه
كأنَّ بكفيهِ أمانًا (4) من الردى (5)
وما الميتُ المقبور في صدرِ يومِه
(1) أي إئذن له.
(2) لدات الرجال أقرانه الذين يلدون معه في أوقات متقاربة، ومثله أتراب المرأة.
(3) في الأصل (ذلك) ولا يستقيم معها وزن البيت.
(4) في الأصل (أمان) .
(5) أي الموت.