التَّرْتِيل: هُو التَّمَهُّلُ والتَّأَنّي في الكلام، والتَّبْيِينُ له، للتَّمكينِ والتحقيق، وبناءِ الْمَعْرِفَة في المتَلَقّين بناءً تَكَامُلِيًّا، وذلك لا يحصُل بإنزاله جملةً واحِدةً، بل يحصلُ بإنْزَاله في دروسٍ تعليميّة قِسْمًا بَعْد قِسْم، مع الاستفادة من الأحداث والمناسبات.
وقد جاء شرح هذه الحكمة في قول الله عزّ وجلّ في سورة (الإِسراء/ 17 مصحف/ 50 نزول) :
{وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس على مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} [الآية: 106] .
{فَرَقْنَاهُ} أي: جَزَّأْنَاهُ، وفَصَّلْنَاهُ، وبَيَّنَّاهُ، وأصْلُ معنَى الْفَرْقِ الفصْلُ بيْنَ الشّيْئَيْنِ أو الأشياء، وتمييزُ بَعْضِها عن بعْض.
وأَوْضَحُ صُوَرِ هذا الْفَصل والتَّمييزِ أَنْ يُنَزَّلَ الكتَابُ على مراحِلَ زمَنيّةٍ مُتَفاصِلَةٍ مُتَباعِدَةٍ.
{على مُكْثٍ} أي: عَلى تَمَهُّلٍ، وتَوَقُّفٍ، وانْتِظَارٍ، رَيْثَما تَثْبُتُ مَعْرِفَةُ الْقِسْمِ الْمُنَزَّلِ.
يُقال لغة: مكَثَ بالمكانِ يمكُثُ مُكْثًا وَمَكْثًا ومُكُوثًا، إذا توقّف وانتظَرَ.
{وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} أي: ونَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا بأناةٍ وتَمَهُّلٍ وتَحْقِيقٍ مع كلّ قِسْمٍ يُنَزّل منه، فالتأكيدُ بالمفعول المطلَقِ للإِشارة إلى نوع التنزيل.
والحكمة الثالثة: نُدْرِكُهَا من قول الله عزّ وجلّ في النصّ: {وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بالحق وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الآية: 33] .
الخطاب هنا مُوجّه للرسول ليَسْمَعَ أصحابُ الاعتراض على تنزيله مُفَرَّقًا، وقد سبقَ في سورة (الفرقان) نَفْسِها عَرْض طائِفَةٍ من اعتراضاتِهِمْ ومقترحاتهم التي جاءت الإجابة عليها في السورة.