اللّه تعالى بأضعف السببين مع القدرة على أعلاهما ــ ونحن مضطرون غاية الاضطرار في عام الرمادة الذى يضرب به المثل في الجدب.
والذى فعله عمر فعل مثله معاوية بحضرة من معه من الصحابة والتابعين، فتوسلوا بيزيد بن الأسود الجُرَشِى كما توسل عمر بالعباس، وكذلك ذكر الفقهاء من أصحاب الشافعى وأحمد وغيرهم أنه يتوسل في الاستسقاء بدعاء أهل الخير والصلاح، قالوا: وإن كانوا من أقارب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فهو أفضل، اقتداء بعمر، ولم يقل أحد من أهل العلم: إنه يسأل اللّه تعالى في ذلك لا بنبى ولا بغير نبى.
وكذلك من نقل عن مالك أنه جوز سؤال الرسول أو غيره بعد موتهم أو نقل ذلك عن إمام من أئمة المسلمين ــ غير مالك ــ كالشافعى وأحمد وغيرهما فقد كذب عليهم، ولكن بعض الجهال ينقل هذا عن مالك ويستند إلى حكاية مكذوبة عن مالك، ولو كانت صحيحة لم يكن التوسل الذى فيها هو هذا، بل هو التوسل بشفاعته يوم القيامة، ولكن من الناس من يحرف نقلها، وأصلها ضعيف كما سنبينه إن شاء اللّه تعالى.
/والقاضى عياض لم يذكرها في كتابه في باب زيارة قبره، بل ذكر هناك ما هو المعروف عن مالك وأصحابه، وإنما ذكرها في سياق أن حرمة النبى صلى الله عليه وسلم بعد موته، وتوقيره وتعظيمه لازم، كما كان حال حياته، وكذلك عند ذكره وذكر حديثه، وسنته، وسماع اسمه. وذكر عن مالك أنه سئل عن أيوب السختيانى فقال: ما حدثتكم عن أحد إلا وأيوب أفضل منه. قال: وحج حجتين، فكنت أرمقه فلا أسمع منه غير أنه كان إذا ذكر النبى صلى الله عليه وسلم بكى حتى أرحمه، فلما رأيت منه ما رأيت وإجلاله للنبى صلى الله عليه وسلم كتبت عنه.
وقال مصعب بن عبد اللّه: كان مالك إذا ذكر النبى صلى الله عليه وسلم يتغير لونه وينحنى، حتى يصعب ذلك على جلسائه. فقيل له يومًا في ذلك، فقال: لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم على ما ترون، لقد كنت أرى محمد بن المُنْكَدِر ــ وكان سيد القراء ــ لا نكاد نسأله عن حديث أبدًا إلا يبكى حتى نرحمه. ولقد كنت أرى جعفر بن محمد ــ وكان كثير الدعابة والتبسم ــ فإذا ذكر عنده النبى صلى الله عليه وسلم اصفر لونه، وما رأيته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على طهارة. ولقد اختلفت إليه زمانًا فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إما مصليًا، وإما صامتا، وإما يقرأ القرآن. ولا يتكلم فيما لا يعنيه، وكان من العلماء والعباد الذين يخشون اللّه ولقد كان عبد الرحمن بن القاسم يذكر النبى صلى الله عليه وسلم فينظر إلى لونه كأنه نزف منه الدم، وقد جف لسانه في فمه هيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ولقد كنت آتى عامر بن عبد الله بن الزبير، فإذا ذكر عنده النبى صلى الله عليه وسلم بكى حتى لا يبقى في عينيه دموع. ولقد رأيت الزهرى ــ وكان لَمِنْ أهنأ الناس وأقربهم ــ فإذا ذكر عنده النبى صلى الله عليه وسلم فكأنه ما عرفك ولا عرفته. ولقد كنت آتى صفوان بن سليم وكان من المتعبدين المجتهدين، فإذا ذكر النبى صلى الله عليه وسلم بكى، فلا يزال يبكى حتى يقوم الناس عنه ويتركوه.
فهذا كله نقله القاضى عياض من كتب أصحاب مالك المعروفة، ثم ذكر حكاية بإسناد غريب منقطع رواها عن غير واحد إجازة، قالوا: حدثنا أبو العباس أحمد بن عمر بن دلهات، قال: حدثنا أبو الحسن على بن فِهْر، حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن الفرح، حدثنا أبو الحسن عبد الله بن المنتاب، حدثنا يعقوب بن إسحاق بن إبى إسرائيل، حدثنا ابن حميد قال: ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكًا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له مالك: يا أمير المؤمنين، لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن الله أدب قومًا فقال: {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} الآية [الحجرات: 2] ، ومدح قومًا فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ} الآية [الحجرات: 3] ، وذم قومًا فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ} الآية [الحجرات: 4] ، وإن حرمته ميتًا كحرمته