أحدهما: الإقسام على الله ـ سبحانه وتعالى ـ به، وهذا منهى عنه عند جماهير العلماء كما تقدم، كما ينهى أن يقسم على الله بالكعبة والمشاعر باتفاق العلماء.
والثانى: السؤال به، فهذا يجوزه طائفة من الناس، ونقل في ذلك آثار عن بعض السلف، وهو موجود في دعاء كثير من الناس، لكن ما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم في ذلك كله ضعيف بل موضوع. وليس عنه حديث ثابت قد يظن أن لهم فيه حجة، إلا حديث الأعمى الذى علمه أن يقول: [أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبى الرحمة] ، وحديث الأعمى لا حجة لهم فيه، فإنه صريح في أنه إنما توسل بدعاء النبى صلى الله عليه وسلم وشفاعته، وهو طلب من النبى صلى الله عليه وسلم الدعاء، وقد أمره النبى صلى الله عليه وسلم أن يقول: (اللهم شفعه فى) . ولهذا رد الله عليه بصره لما دعا له النبى صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك مما يعد من آيات النبى صلى الله عليه وسلم. ولو توسل غيره من العميان، الذين لم يدع لهم النبى صلى الله عليه وسلم بالسؤال به، لم تكن حالهم كحاله.
ودعاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في الاستسقاء المشهور بين المهاجرين والأنصار، وقوله: (اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا) : يدل على أن التوسل المشروع عندهم هو التوسل بدعائه وشفاعته لا السؤال بذاته؛ إذ لو كان هذا مشروعًا لم يعدل عمر والمهاجرين والأنصار عن السؤال بالرسول إلى السؤال بالعباس.
وشاع النزاع في السؤال بالأنبياء والصالحين، دون الإقسام بهم؛ لأن بين السؤال والإقسام فرقًا، فإن السائل متضرع ذليل يسأل بسبب يناسب الإجابة، والمقسم أعلى من هذا، فإنه طالب مؤكد طلبه بالقسم، والمقسم لا يقسم إلا على من يرى أنه يبر قسمه، فإبرار القسم خاص ببعض العباد.
وأما إجابة السائلين فعام؛ فإن الله يجيب دعوة المضطر ودعوة المظلوم وإن كان كافرًا، وفى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من داع يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى خصال ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخر له من الخير مثلها، وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها) قالوا: يا رسول الله، إذًا نكثر. قال: (الله أكثر) . وهذا التوسل بالأنبياء بمعنى السؤال بهم ـ وهو الذى قال أبو حنيفة وأصحابه وغيرهم أنه لا يجوز ـ ليس في المعروف من مذهب مالك ما يناقض ذلك، فضلا أن يجعل هذا من مسائل السب، فمن نقل عن مذهب مالك أنه جوَّز التوسل به، بمعنى الإقسام به أو السؤال به، فليس معه في ذلك نقل عن مالك وأصحابه، فضلا عن أن يقول مالك: إن هذا سب للرسول أو تنقص له، بل المعروف عن مالك أنه كره للداعى أن يقول: يا سيدى، سيدى، وقال: قل كما قالت الأنبياء: يا رب، يا رب، يا كريم. وكره أيضا أن يقول: يا حنان يا منان. فإنه ليس بمأثور عنه.
فإذا كان مالك يكره مثل هذا الدعاء، إذ لم يكن مشروعًا عنده، فكيف يجوز عنده أن يسأل الله بمخلوق نبيًا كان أو غيره، وهو يعلم أن الصحابة لما أجدبوا عام الرمادة لم يسألوا الله بمخلوق، لا نبى ولا غيره، بل قال عمر: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. فيسقون.
وكذلك ثبت في صحيح مسلم عن ابن عمر وأنس وغيرهما أنهم كانوا إذا أجدبوا إنما يتوسلون بدعاء النبى صلى الله عليه وسلم واستسقائه، لم ينقل عن أحد منهم أنه كان في حياته صلى الله عليه وسلم سأل اللّه تعالى بمخلوق /لا بد ولا بغيره، لا في الاستسقاء ولا غيره، وحديث الأعمى سنتكلم عليه إن شاء اللّه تعالى، فلو كان السؤال به معروفًا عند الصحابة لقالوا لعمر: إن السؤال والتوسل به أولى من السؤال والتوسل بالعباس، فلم نعدل عن الأمر المشروع الذى كنا نفعله في حياته وهو التوسل بأفضل الخلق إلى أن نتوسل ببعض أقاربه، وفى ذلك ترك السنة المشروعة وعدول عن الأفضل، وسؤال