علم يعلمه فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة. وهو يزكو على التعليم، لا ينقص بالتعليم كما تنقص الأموال بالبذل، ولهذا يُشبه بالمصباح.
وكذلك من له عند غيره حق من عين أو دين كالأمانات مثل الوديعة والمضاربة، لصاحبها أن يسألها ممن هى عنده، وكذلك مال الفىء وغيره من الأموال المشتركة التى يتولى قسمتها ولىُّ الأمر، للرجل أن يطلب حقه منه كما يطلب حقه من الوقف والميراث والوصية؛ لأن المستولى يجب عليه أداء الحق إلى مستحقه.
ومن هذا الباب سؤال النفقة لمن تجب عليه، وسؤال المسافر الضيافة لمن تجب عليه، كما استطعم موسى والخضر أهل القرية. وكذلك الغريم له أن يطلب دينه ممن هو عليه. وكل واحد من المتعاقدين له أن يسأل الآخر أداء حقه إليه؛ فالبائع يسأل الثمن، والمشترى يسأل المبيع. ومن هذا الباب قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} [النساء: 1] .
وأما سؤال الله بأسمائه وصفاته التى تقتضى ما يفعله بالعباد من الهدى والرزق والنصر، فهذا أعظم ما يسأل الله تعالى به. فقول المنازع: لا يسأل بحق الأنبياء، فإنه لا حق للمخلوق على الخالق: ممنوع فإنه قد ثبت في الصحيحين حديث معاذ الذى تقدم إيراده، وقال تعالى: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام: 54] ، وقال تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47] .
فيقال للمنازع: في هذا في مقامين:
أحدهما: في حق العباد على الله، والثانى: في سؤاله بذلك الحق.
أما الأول: فلا ريب أن الله تعالى وعد المطيعين بأن يثيبهم، ووعد السائلين بأن يجيبهم، وهو الصادق الذى لا يخلف الميعاد، قال الله تعالى: {وَعْدَ اللّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلًا} [النساء: 122] ، {وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 6] ، {فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} [إبراهيم: 47] ، فهذا مما يجب وقوعه /بحكم الوعد باتفاق المسلمين. وتنازعوا: هل عليه واجب بدون ذلك؟ على ثلاثة أقوال، كما تقدم.
قيل: لا يجب لأحد عليه حق بدون ذلك.
وقيل: بل يجب عليه واجبات ويحرم عليه محرمات بالقياس على عباده.
وقيل: هو أوجب على نفسه وحرم على نفسه، فيجب عليه ما أوجبه على نفسه، ويحرم عليه ما حرمه على نفسه، كما ثبت في الصحيح من حديث أبى ذر، كما تقدم.
والظلم ممتنع منه باتفاق المسلمين، لكن تنازعوا في الظلم الذى لا يقع، فقيل: هو الممتنع وكل ممكن يمكن أن يفعله لا يكون ظلمًا؛ لأن الظلم إما التصرف في ملك الغير، وإما مخالفة الأمر الذى يجب عليه طاعته، وكلاهما ممتنع منه.
وقيل: بل ما كان ظلمًا من العباد فهو ظلم منه.
وقيل الظلم وضع الشىء في غير موضعه، فهو سبحانه لا يظلم الناس شيئًا، قال تعالى: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا} [طه: 112] . قال المفسرون: هو أن يحمل عليه سيئات غيره ويعاقب بغير ذنبه، والهضم أن يهضم من حسناته، وقال تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 40] ، {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ} [هود: 101] .
وأما المقام الثانى: فإنه يقال: ما بين الله ورسوله أنه حق للعباد على الله فهو /حق، لكن الكلام في السؤال بذلك، فيقال: إن كان الحق الذى سأل به سببًا لإجابة السؤال حسن السؤال به، كالحق الذى يجب لعابديه وسائليه.