/وما يروى أن الخليل لما ألقى في المنجنيق قال له جبريل: سل، قال: (حسبى من سؤالى علمه بحالى) ليس له إسناد معروف وهو باطل، بل الذى ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: (حسبى الله ونعم الوكيل) . قال ابن عباس: قالها إبراهيم حين ألقى في النار، وقالها محمد حين: {قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} [آل عمران: 173] ، وقد روى أن جبريل قال: هل لك من حاجة؟ قال: (أما إليك فلا) وقد ذكر هذا الإمام أحمد وغيره.
وأما سؤال الخليل لربه ـ عز وجل ـ فهذا مذكور في القرآن في غير موضع، فكيف يقول: حسبى من سؤالى علمه بحالى، والله بكل شيء عليم، وقد أمر العباد بأن يعبدوه ويتوكلوا عليه ويسألوه؛ لأنه سبحانه جعل هذه الأمور أسبابًا لما يرتبه عليها من إثابة العابدين، وإجابة السائلين. وهو سبحانه يعلم الأشياء على ما هى عليه، فعلمه بأن هذا محتاج أو هذا مذنب لا ينافى أن يأمر هذا بالتوبة والاستغفار، ويأمر هذا بالدعاء وغيره من الأسباب التى تقضى بها حاجته، كما يأمر هذا بالعبادة والطاعة التى بها ينال كرامته.
ولكن العبد قد يكون مأمورًا في بعض الأوقات بما هو أفضل من الدعاء كما روى في الحديث: (من شَغَلهُ ذكرى عن مسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين) ، وفى الترمذى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من شَغَلهُ قراءة القرآن عن ذكرى ومسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين) قال الترمذى: حديث حسن غريب.
وأفضل العبادات البدنية الصلاة، وفيها القراءة والذكر والدعاء، وكل واحد في موطنه مأمور به، ففى القيام بعد الاستفتاح يقرأ القرآن، وفى الركوع والسجود ينهى عن قراءة القرآن ويؤمر بالتسبيح والذكر، وفى آخرها يؤمر بالدعاء، كما كان النبى صلى الله عليه وسلم يدعو في آخر الصلاة ويأمر بذلك. والدعاء في السجود حسن مأمور به، ويجوز الدعاء في القيام أيضًا وفى الركوع، وإن كان جنس القراءة والذكر أفضل، فالمقصود أن سؤال العبد لربه السؤال المشروع حسن مأمور به.
وقد سأل الخليل وغيره، قال تعالى عنه: {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللّهِ مِن شَيْءٍ فَي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} [إبراهيم: 37 - 41] ، وقال تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} [البقرة: 127 - 129]
وكذلك دعاء المسلم لأخيه حسن مأمور به، وقد ثبت في الصحيح عن أبى الدرداء عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ما من رجل يدعو/لأخيه بظهر الغيب إلا وكل الله به ملكًا كلما دعا لأخيه بدعوة قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثله) أى بمثل ما دعوت لأخيك به."
وأما سؤال المخلوقِ المخلوقَ أن يقضى حاجة نفسه أو يدعو له فلم يؤمر به، بخلاف سؤال العلم، فإن الله أمر بسؤال العلم كما في قوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 43، والأنبياء: 7] ، وقال تعالى: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ} [يونس: 94] ، وقال تعالى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف: 45] ، وهذا لأن العلم يجب بذله، فمن سئل عن