وقد قيل فى: {ربيون} هنا: إنهم العلماء، فلما جعل هؤلاء هذا كلفظ الربانى، وعن ابن زيد هم الأتباع كأنه جعلهم المربوبين. والأول أصح من وجوه:
-أحدها: أن الربانيين عين الأحبار، وهم الذين يربون الناس، وهم أئمتهم في دينهم، ولا يكون هؤلاء إلا قليلًا.
-الثانى: أن الأمر بالجهاد والصبر لا يختص بهم، وأصحاب الأنبياء لم يكونوا كلهم ربانيين، وإن كانوا قد أعطوا علما ومعهم الخوف من الله عز وجل.
-الثالث: أن استعمال لفظ الربانى في هذا ليس معروفا في اللغة.
-الرابع: أن استعمال لفظ الربى في هذا ليس معروفا في اللغة، بل المعروف فيها هو الأول، والذين قالوه قالوا: هو نسبة للرب بلا نون والقراءة المشهور [ربى] بالكسر، وما قالوه إنما يتوجه على من قرأه بنصب الراء، وقد قرئ بالضم، فعلم أنها لغات.
-الخامس: أن الله تعالى يأمر بالصبر والثبات كل من يأمره بالجهاد، سواء كان من الربانيين أو لم يكن.
-السادس: أنه لا مناسبة في تخصيص هؤلاء بالذكر، وإنما المناسب ذكرهم في مثل قوله: {لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ} الآية [المائدة: 63] . وفى قوله: {وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} [آل عمران: 79] فهناك ذكرهم به مناسبا.
-السابع: قيل: إن الربانى منسوب إلى الرب، فزيادة الألف والنون كاللحيانى، وقيل: إلى تربيته الناس، وقيل: إلى ربان السفينة، وهذا أصح، فإن الأصل عدم الزيادة في النسبة؛ لأنهم منسوبون إلى التربية، وهذه تختص بهم، وأما نسبتهم إلى الرب فلا اختصاص لهم بذلك، بل كل عبد له فهو منسوب إليه، إما نسبة عموم أو خصوص ولم يسم الله أولياءه المتقين ربانيين، ولا سمى به رسله وأنبياءه، فإن الربانى من يرب الناس، كما يرب الربانى السفينة، ولهذا كان الربانيون يذمون تارة، ويمدحون أخرى، ولو كانوا منسوبين إلى الرب لم يذموا قط.
-الثامن: أنها إن جعلت مدحًا فقد ذموا في مواضع، وإن لم تكن مدحا لم يكن لهم خاصة يمتازون بها من جهة المدح، وإذا كان منسوبًا إلى ربانى السفينة بطل قول من يجعل الربانى منسوبا إلى الرب، فنسبة الربيون إلى الرب أولى بالبطلان.
-التاسع: أنه إذا قدر أنهم منسوبون إلى الرب، فلا تدل النسبة على أنهم علماء. نعم تدل على إيمان وعبادة وتأله، وهذا يعم جميع المؤمنين، فكل من عبد الله وحده لا يشرك به شيئا فهو متأله عارف بالله، والصحابة كلهم كذلك، ولم يسموا ربانيين ولا ربيين، وإنما جاء أن ابن الحنفية قال لما مات ابن عباس: اليوم مات ربانى هذه الأمة، وذلك لكونه يؤدبهم بما آتاه الله من العلم، والخلفاء أفضل منهم، ولم يسموا ربانيين، وإن كانوا هم الربانيين. وقال إبراهيم: كان علقمة من الربانيين؛ ولهذا قال مجاهد: هم الذين يربون الناس بصغار العلم قبل كباره، فهم أهل الأمر والنهى. والأحبار يدخل فيه من أخبر بالعلم ورواه عن غيره وحدث به وإن لم يأمر، أو ينه، وذلك هو المنقول عن السلف في الربانى، نقل عن علىّ قال: (هم الذين يغذون الناس بالحكمة ويربونهم عليها) ، وعن ابن عباس قال: [هم الفقهاء المعلمون]
قلت: أهل الأمر والنهى هم الفقهاء المعلمون. وقال قتادة وعطاء: هم الفقهاء العلماء الحكماء. قال ابن قتيبة: واحدهم ربانى، وهم العلماء المعلمون. قال أبو عبيد: أحسب الكلمة عبرانية أو سريانية، وذلك أن أبا عبيد زعم أن العرب لا تعرف الربانيين.