الصفحة 27 من 1087

وقتادة: جماعات كثيرة، وقرئ بالحركات الثلاث في الراء، فعلى هذه القراءة فالربيون الذين قاتلوا معه: الذين ما وهنوا وما ضعفوا. وأما على قراءة أبى عمرو وغيره ففيها وجهان:

-أحدهما: يوافق الأول، أى الربيون يقتلون فما وهنوا، أى ما وهن من بقى منهم، لقتل كثير منهم، أى ما ضعفوا لذلك ولا دخلهم خور ولا ذلوا لعدوهم، بل قاموا بأمر الله في القتال حتى أدَالُهم الله عليهم وصارت كلمة الله هى العليا.

-والثانى: أن النبى صلى الله عليه وسلم قتل معه ربيون كثير فما وهن من بقى منهم لقتل النبى صلى الله عليه وسلم. وهذا يناسب صرخ الشيطان أن محمدًا قد قتل، لكن هذا لا يناسب لفظ الآية، فالمناسب أنهم مع كثرة المصيبة ما وهنوا، ولو أريد أن النبى قتل ومعه ناس لم يخافوا لم يحتج إلى تكثيرهم بل تقليلهم هو المناسب لها، فإذا كثروا لم يكن في مدحهم بذلك عبرة.

وأيضا، لم يكن فيه حجة على الصحابة، فإنهم يوم أحد قليلون والعدو أضعافهم، فيقولون ولم يهنوا؛ لأنهم ألوف ونحن قليلون.

وأيضًا، فقوله: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ} [آل عمران: 146] يقتضى كثرة ذلك، وهذا لا يعرف أن أنبياء كثيرون قتلوا في الجهاد.

وأيضا: فيقتضى أن المقتولين مع كل واحد منهم ربيون كثير، وهذا لم يوجد، فإن من قبل موسى من الأنبياء لم يكونوا يقاتلون، وموسى وأنبياء بنى إسرائيل لم يقتلوا في الغزو، بل ولا يعرف نبى قتل في جهاد، فكيف يكون هذا كثيرًا ويكون جيشه كثيرًا؟!

والله ـ سبحانه ـ أنكر على من ينقلب، سواء كان النبى مقتولا أو ميتا، فلم يذمهم إذا مات أو قتل على الخوف بل على الانقلاب على الأعقاب، ولهذا تلاها الصديق رضى الله عنه ـ بعد موته صلى الله عليه وسلم فكأن لم يسمعوها قبل ذلك.

ثم ذكر بعدها معنى آخر: وهو أن من كان قبلكم كانوا يقاتلون فيقتل منهم خلق كثير وهم لا يهنون، فيكون ذكر الكثرة مناسبا؛ لأن من قتل مع الأنبياء كثير، وقتل الكثير من الجنس يقتضى الوهن، فما وهنوا وإن كانوا كثيرين، ولو وهنوا دل على ضعف إيمانهم، ولم يقل هنا: ولم ينقلبوا على أعقابهم، فلو كان المراد أن نبيهم قتل لقال: فانقلبوا على أعقابهم؛ لأنه هو الذى أنكره إذا مات النبى أو قتل، فأنكر سبحانه شيئين: الارتداد إذا مات أو قتل، والوهن والضعف والاستكانة لما أصابهم في سبيل الله من استيلاء العدو؛ ولهذا قال: {فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ} [آل عمران: 146] . . . إلخ. ولم يقل: فما وهنوا لقتل النبى، ولو قتل وهم أحياء لذكر ما يناسب ذلك، ولم يقل: {فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ} ، ومعلوم أنّ ما يصيب في سبيل الله في عامة الغزوات لا يكون قتل نبى.

وأيضًا: فكون النبى قاتل معه أو قتل معه ربيون كثير، لا يستلزم أن يكون النبى معهم في الغزاة، بل كل من اتبع النبى وقاتل على دينه فقد قاتل معه، وكذلك كل من قتل على دينه فقد قتل معه، وهذا الذى فهم الصحابة، فإن أعظم قتالهم كان بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، حتى فتحوا البلاد شامًا، ومصرًا، وعراقًا، ويمنًا وعربًا، وعجمًا، ورومًا، ومغربًا، ومشرقًا، وحينئذ فظهر كثرة من قتل معه، فإن الذين قاتلوا وأصيبوا وهم على دين الأنبياء كثيرون، ويكون في هذه الآية عبرة لكل المؤمنين إلى يوم القيامة، فإنهم كلهم يقاتلون مع النبى صلى الله عليه وسلم على دينه، وإن كان قد مات، والصحابة الذين يغزون في السرايا، والنبى ليس معهم، كانوا معه يقاتلون، وهم داخلون في قوله: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ} الآية [الفتح: 29] ، وفى قوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ} الآية [الأنفال: 75] . ليس من شرط من يكون مع المطاع أن يكون مشاهدًا للمطاع ناظرًا إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت