…قد يظن البعض أن حفلات الافتتاح ما هي إلاّ مناسبات للخطابة وعبارات المجاملة حتى إنك ترى بعض الحضور منشغلًا عن الاستماع لما يقال، بل يعجبني عندما تصطادهم كمرات التلفزيون وهم منشغلون. ولكنّي وجدت حفلة افتتاح النشاط الثقافي لمهرجان الجنادرية للثقافة والتراث الثاني عشر ليست كذلك. فقد كانت كلمة سمو الأمير بدر بن عبد العزيز نائب رئيس الحرس الوطني ورئيس اللجنة العليا للمهرجان ثرية بالمعاني العظيمة والأفكار الجميلة التي كانت ندوات الأيام التالية محاولة لتحقيقها.
…فكان مما قاله سموه:"إن الحرس الوطني ينطلق في تنظيمه لهذا المهرجان من قناعة تامة بأن الاعتناء بالماضي ودراسته ضرورة يتطلبها التطلع الصادق في تأكيد الهوية للمستقبل القريب والمنظور..."وما مهرجاننا الثقافي هذا وما دروسنا، ومناهجنا، ومحاضراتنا، وبرامجنا الإذاعية و التلفازية إلاّ تأكيد لهذا الأمر الخطير (المهم) . فالماضي الذي نعتز به ونسعى إلى الإفادة منه واستلهامه في أعمالنا اليوم وغدًا هو الماضي الذي كانت الأمة الإسلامية هي العالم الأول فيه عدة قرون لم يشاركها في الأولية أحد- كما أشار الشيخ الغزالي رحمه الله في إحدى محاضراته-. الماضي الذي لم يعرف الحروب"العالمية"ولا سباق التسلح، ولا القنابل الذرية، ولا إبادة الشعوب، ولا نازية ولا شيوعية ولا فاشية، الماضي الذي عرفت فيه البشرية لأول مرة معنى التسامح الحقيقي مع الآخر، الماضي الذي عرف المسلمون فيه المحبة الحقيقية فيما بينهم حتى تركوا لنا إنتاجًا فكريًا ضخمًا.
…نعم إننا نعتني بالماضي لأن في ذلك تأكيد لهويتنا العربية الإسلامية التي يجب أن نتمسك بها في عالم يسعى إلى تذويب الثقافات والهويات في هوية واحدة هي الهوية الغربية، ويسعى إلى تحطيم الحواجز النفسية الضرورية لتمسكنا بالقيم والأخلاق الإسلامية.