أو جدنا الفاصلة تنتهي بحرف متوسط الشدة كـ (الراء) [1] التي من صفاتها التكرير [2] ، وقد تنتهي الفاصلة بأصوات مهموسة كـ (الطاء) [3] التي جاءت في الآية (120) من السورة، و (القاف) [4] التي جاءت في نهاية الآية (181) تتحدث عن سماعهم وارتباطه بقول الله وبالعذاب، وهو- أي سماعهم- للصوت المهموس (القاف) أكثر مبالغة في إظهار خوفهم، وإحاطتهم بالمنطوقات في ذلك اليوم من سماعهم للصوت المجهور؛ لأنهم يريدون الخلاص، لذا ناسبت جميع هذه الأحرف الموضوعات التي تناولتها الآيات في السورة.
... هذا التباين في حروف الفاصلة، يكشف عن الصراع الأصيل الدائم بين الجماعة المسلمة وعقيدتها من جهة، وأهل الكتاب والمشركين وعقائدهم من جهة أخرى هذا الصراع الذي لم يفتر منذ ظهور الإسلام - وبخاصة منذ مقدمه - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة وقيام دولته فيها - والذي اشترك فيه المشركون واليهود اشتراكًا عنيفًا يسجله القرآن تسجيلًا رائعًا دقيقًا،ففي الآيات تحديد لمفرق الطريق بين عقيدة التوحيد الخالصة وبين الشبهات والانحرافات. وتهديد لمن يكفر بالفرقان، وبيان لحال المؤمنين مع ربهم وموقفهم مما ينزل على رسله [5] .
ويسود هذا التباين كذلك في سورة النور والحشر وغير ذلك من سور العهد المدني، إلا سورة (الناس) فقد جاءت الفاصلة على مقطع واحدٍ منذ بداية السورة إلى انتهائها وهو مقطع (ناس) وصورته (ص ح ح ص) ، فموضوعها الناس وما يجتاحهم، في عبادتهم لربهم وملكهم وإلههم، وما يعرقل ذلك من وسوسة الشياطين من الجنة والإنس، لذلك توافق معنى الآيات مع جرس حرف السين الذي من صفته الهمس والصفير [6] .
(1) ينظر: الملخص المفيد (86) .
(2) ينظر: علم الأصوات (54) .
(3) ينظر: الأصوات اللغوية (61) .
(4) ينظر: نفسه (84) .
(5) ينظر: في ظلال القرآن، لسيد قطب (1/353) .
(6) ينظر: الأصوات اللغوية (75) .