الصفحة 140 من 426

القسم الثاني: وفيه اشتمل الخطاب على أفعال أمر أخرى وهي أفعال كثيرة أو أفعال نهي: فأما أفعال الأمر فمثل الفعل (اتق) كما في قوله تعالى: { يَا أَيّهَا النّبِيّ اتّقِ اللّهَ } [الأحزاب: 1] ، والملاحظ أن أفعال الأمر والنهي التي خوطب بها النبي كانت مسبوقةً بلفظ النداء له بالصفة (النبي أو الرسول) للاحتراس وجبر ما يوهمه الأمر والنهي من النقص فيه [1] ، ورأى البغوي أن: (( أمره بالتقوى للمتلبس بها، أمر بالديموية عليها والازدياد منها. والظاهر أنه أمر للنبي، وإذا كان هو مأمورًا بذلك، فغيره أولى بالأمر. وقيل: هو خطاب له لفظًا، وهو لأمّته ) ) [2] ، وجاء الخطاب له - صلى الله عليه وسلم - بالأفعال (احكم، واحذرهم، واعلم) في قوله تعالى: { وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلّوْاْ فَاعْلَمْ أَنّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ } [المائدة: 49] ، قال ابن عاشور: «يجوز أن يكون قوله { وَأَنِ احْكُم } معطوفًا عطفَ جملة على جملة، بأن يجعل معطوفًا على جملة { فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ } [ المائدة: 48 ] ، فيكون رجوعًا إلى ذلك الأمر لتأكيده، وليبنى عليه قوله: { وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ } كما بُني على نظيره قوله: { لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا } [المائدة: 48] وتكُون (أنْ) تفسيرية. و (أنْ) التفسيريّة تفيد تقويّة ارتباط التّفسير بالمفسَّر، لأنّها يمكن الاستغناء عنها، لصحّة أن تقول: أرسلتُ إليه افْعَل كذا، كما تقول: أرسلت إليه أنِ افعَلْ كذا.

(1) ينظر: روح المعاني (م12/ج21/217) وما بعدها.

(2) تفسير البغوي (6/312 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت