وهنا صورة أخرى تضاف إلى سابقتها تجعل باب الإشارة ميدانًا رحبًا لظاهرة القرب، فحين صرَّح النحويون بأنَّ للإشارة ثلاث مراتب أكدُّوا في الوقت ذاته أنَّها للقرب في أصل الوضع - كما سبق بيان ذلك - ولم يكتفوا بذلك؛ بل ذهب بعضهم، كابن السراج [1] - وذكر الأنباريُّ في الإنصاف أنَّه مذهب الكوفيين [2] - إلى أنَّ الأسماء المبهمة ومنها الإشارة أعرف المعارف، وهذا القول خلاف الراجح، إلا أنهم متفقون على أنَّ أعرف الإشارات ما كان للقريب، ثم ما كان للمتوسط، ثم ما كان للبعيد [3] .
فالحضور والقرب معياران أساسيان للتعريف. قال ابن يعيش:"فتعريف الإشارة أن تخصص للمخاطب شخصًا يعرفه بحاسة البصر، وسائر المعارف هو أن تختص شخصا يعرفه المخاطب بقلبه؛ فلذلك قال النحويون: إنَّ أسماء الإشارة تتعرف بشيئين: بالعين، وبالقلب" [4] .
-دلالة (هاء التنبيه) على القرب:
نص النحويون على أنَّ (ها التنبيه) كثيرًا ما تلحق أسماء الإشارة التي يشار بها إلى القرب [5] ، نحو قوله تعالى: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا} [البقرة/126] ،وقوله تعالى: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} [طه/63] ، وقوله تعالى: {هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} [هود /78] .
وقد تجتمع (الهاء) مع الكاف بشرط عدم الفصل بشيء بينهما- كالضمير- بين"ها"واسم الإشارة نحو: هذاك - هاتاك، وتمتنع هذه الهاء مع اللام؛ لئلا يجمع بين متناقضين، فالهاء للقرب واللام للبعد، ومن هنا لا يوجد - لدى الباحث - ما يمنع من تسمية هذه الهاء بـ"هاء القرب"، قياسًا على لام البعد، ولا سيما بعد أن عثرنا على تصريحات للنحويين - تعد بمثابة ركن شديد يُؤْوَى
(1) ينظر: الأصول في النحو 2/ 341، والإنصاف 2/ 708.
(2) ينظر: الإنصاف 2/ 707.
(3) ينظر: شرح الجمل لابن عصفور2/ 138)، وهمع الهوامع 1/ 192، وحاشية الصبان 1/ 170.
(4) شرح المفصل: 3/ 126.
(5) ينظر: شرح ابن عقيل1/ 107، وشرح الكافية للرضي3/ 79، وشرح الأشموني1/ 122، وهمع الهوامع 1/ 263.