الصفحة 40 من 336

وهنا صورة أخرى تضاف إلى سابقتها تجعل باب الإشارة ميدانًا رحبًا لظاهرة القرب، فحين صرَّح النحويون بأنَّ للإشارة ثلاث مراتب أكدُّوا في الوقت ذاته أنَّها للقرب في أصل الوضع - كما سبق بيان ذلك - ولم يكتفوا بذلك؛ بل ذهب بعضهم، كابن السراج [1] - وذكر الأنباريُّ في الإنصاف أنَّه مذهب الكوفيين [2] - إلى أنَّ الأسماء المبهمة ومنها الإشارة أعرف المعارف، وهذا القول خلاف الراجح، إلا أنهم متفقون على أنَّ أعرف الإشارات ما كان للقريب، ثم ما كان للمتوسط، ثم ما كان للبعيد [3] .

فالحضور والقرب معياران أساسيان للتعريف. قال ابن يعيش:"فتعريف الإشارة أن تخصص للمخاطب شخصًا يعرفه بحاسة البصر، وسائر المعارف هو أن تختص شخصا يعرفه المخاطب بقلبه؛ فلذلك قال النحويون: إنَّ أسماء الإشارة تتعرف بشيئين: بالعين، وبالقلب" [4] .

-دلالة (هاء التنبيه) على القرب:

نص النحويون على أنَّ (ها التنبيه) كثيرًا ما تلحق أسماء الإشارة التي يشار بها إلى القرب [5] ، نحو قوله تعالى: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا} [البقرة/126] ،وقوله تعالى: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} [طه/63] ، وقوله تعالى: {هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} [هود /78] .

وقد تجتمع (الهاء) مع الكاف بشرط عدم الفصل بشيء بينهما- كالضمير- بين"ها"واسم الإشارة نحو: هذاك - هاتاك، وتمتنع هذه الهاء مع اللام؛ لئلا يجمع بين متناقضين، فالهاء للقرب واللام للبعد، ومن هنا لا يوجد - لدى الباحث - ما يمنع من تسمية هذه الهاء بـ"هاء القرب"، قياسًا على لام البعد، ولا سيما بعد أن عثرنا على تصريحات للنحويين - تعد بمثابة ركن شديد يُؤْوَى

(1) ينظر: الأصول في النحو 2/ 341، والإنصاف 2/ 708.

(2) ينظر: الإنصاف 2/ 707.

(3) ينظر: شرح الجمل لابن عصفور2/ 138)، وهمع الهوامع 1/ 192، وحاشية الصبان 1/ 170.

(4) شرح المفصل: 3/ 126.

(5) ينظر: شرح ابن عقيل1/ 107، وشرح الكافية للرضي3/ 79، وشرح الأشموني1/ 122، وهمع الهوامع 1/ 263.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت