البصرة إعمال الثاني؛ لقربه ولسلامته من الفصل بين العامل ومعموله، والاختيار عند أهل الكوفة إعمال الأول؛ لسبقه ولسلامته من تقديم مضمره على مفسره [1] .
أولا /أدلة البصريين [2] :
1 -أنَّ الفعل الثاني أقرب إلى الاسم من الفعل الأول وليس في إعماله دون الأول نقض معنى، فكان إعماله أولى، والذي يدل على أنَّ للقرب أثرًا أنَّهم قالوا:"جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ""فأجروا"خرب"على"ضب"لقربه وجواره له، وهو في الحقيقة صفة للجحر؛ لأنَّ الضب لا يوصف بالخراب."
كما أنهم قالوا:"خشنت بصدرِهِ و صدرِ زيدٍ"، فيختارون إعمال الباء في المعطوف، ولا يختارون إعمال الفعل فيه؛ لأنَّها أقرب إليه منه، وليس في إعمالها نقض معنى، فكان إعمالها أولى.
2 -أنَّه يلزم على إعمال الأول منهما الفصل بين العامل ومعموله بأجنبي، فأحسن أحواله أن يُضْعِفَ عمل الأول.
3 -أنَّه يلزم على إعمال الأول في لفظ المعمول أن تعطف على الشيء وقد بقيت منه بقية، والعطف قبل تمام المعطوف خلاف الأصل.
4 -إعمال الثاني ورد السماع به كثيرًا وعليه نزل القرآن، ومنه قوله تعالى: {قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} [الكهف/96] فأعمل الفعل الثاني وهو"أفرغ"، ولو أعمل الفعل الأول لقال: أفرغه عليه، وقوله تعالى: {هَاؤُمُ اقْرَءُوْا كِتَابِيَهْ} [الحاقة/19] فأعمل الثاني وهو"اقرؤوا"، ولو أعمل الأول لقال: (اقرؤوه) [3] .
ومن الشعر قول الفرزدق [4] :
وَلَكِنَّ نِصْفًّا لَوْ سَبَبْتُ وَسَبَّنِي ... بَنُو عَبْدِ شَمْسٍ مِنْ مَنَافٍ وَهَاشَم
(1) ينظر: الكتاب 73 - 79،والمقتضب 2/ 112 - 115، والإنصاف 1/ 87 - 96،وشرح المفصل 1/ 77 - 80، وشرح الجمل لابن عصفور1/ 625، وأوضح المسالك 2/ 198، وشرح شذور الذهب 427، وشرح قطر الندى216، وشرح التصريح 1/ 483، وهمع الهوامع 2/ 108 - 111.
(2) ينظر: الإنصاف1/ 87 - 90، واللباب1/ 154 - 155، وشرح المفصل 1/ 77 - 80، وتذكرة النحاة 348، وشرح التسهيل 2/ 168 - 169.
(3) ينظر: الإنصاف 1/ 87، واللباب1/ 154،وشرح المفصل 1/ 78، وشرح التسهيل 2/ 186، وشرح شذور الذهب 1/ 545.
(4) في ديوانه 356، والكتاب 1/ 77، والمقتضب 4/ 74، والإنصاف 1/ 87.