والحق أنَّ الشرط المتعقب للجمل المعطوفة قد يتعلق بالجميع، وقد يتعلق بأقرب مذكور والحاسم في ذلك القرينة سواء أ لفظية كانت أم معنوية، وما حصل من خلاف في هذه المسألة وغيرها من المسائل التي تعقب جملا متعاطفة هل يختص بالأخيرة أو يعود إلى الجميع إنما هو إذا لم يرد دليل يعيِّن المراد.
ففي قوله تعالى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ} [المائدة/89] الشرط: [فَمَنْ لَمْ يَجِدْ] عائدٌ إلى جميع ما تقدَّم لا إلى الرَّقبة [1] . ... وفي قوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} [النساء/23] ، فالشَّرْط عند أكثر المفسِّرين والأصوليين عائد عَلَى أمهات الربائب دون أمَّهات النِّساء [2] .
قصد الأقرب عند تعدد الحال أو تعدد صاحبه
الحال قد يكون عن الفاعل وحده، كـ"جاء زيد راكبا"، وقد يكون عن المفعول وحده، نحو:"ضربت زيدا مجردا عن ثيابه"، وقد يحتمل كونه من الفاعل أو من المفعول نحو:"لقيت زيدا راكبا".
فإن كانت هناك قرينة حالية أو مقالية تبين صاحب الحال، جاز أن تجعلها لما قامت له، من الفاعل أو المفعول، وإن لم تكن، وكان الحال عن الفاعل، وجب تقديمه إلى جنب صاحبه؛ لإزالة اللبس؛ ولأنَّه الأقرب، والحمل على الأقرب متعين، نحو:"لقيت راكبا زيدا"، فإن لم تُقدمه، فهو عن المفعول تقول:"لقيت زيدا راكبا"؛ لأنَّه الأقرب كذلك [3] .
(1) ينظر: جامع البيان 7/ 36، والتفسير الكبير6/ 82، والبحر المحيط 4/ 354، والجامع لأحكام القرآن 6/ 264، وتفسير القرآن العظيم23/ 633.
(2) ينظر: جامع البيان4/ 197 - 198، وأحكام القرآن للجصاص3/ 71،والكشاف 1/ 526، وأحكام القرآن لابن العربي 1/ 398، والتفسير الكبير5/ 35، والبحر المحيط 3/ 581،والجامع لأحكام القرآن 5/ 108، وتفسير القرآن العظيم2/ 239، وروح المعاني3/ 404، وفتح القدير1/ 534.
(3) ينظر: مغني اللبيب 2/ 646 - 647، وشرح ابن عقيل 1/ 501،وشرح الكافية للرضي 2/ 51.