وماذا كان بعد هذا ؟ تبرم [1] الناس ممن سكت من السادة العلماء هذه السنين الطويلة على هذه البدع الطاغية حتى تركوها تفرخ كل يوم، وتناولوا العلماء بالسنة حداد. عند ذلك شعر العلماء بما يحيط بهم من خطوب وأهوال فأخذوا يدبرون للمؤلف ما يدبرون، ويشيعون بين الناس أنه يكفرهم ويكفر سواد الأمة، وهذا منهم أمر طبيعي الفته النفوس. وما أراد المؤلف للعلماء والعامة ألا خيرا دنيا وأخرى.
-المؤلف يؤدي امتحان العالمية بتفوق:
كان الأزهر يعني أبناؤه العناية التامة بدراسة العلوم الشرعية والعربية ومن أراد أن ينال شهادة العالمية، وضع رسالة في مبادئ هذه العلوم يقدمها إلى شيخ الأزهر مرافقة لطلب الامتحان. والمؤلف لا طماعية عنده في نيل هذه الشهادة، التي من ورائها الرواتب والمناصب، إذ أن نفسه الطاهرة لها اتجاه غير هذا. ولكن أحد تلامذته أشار عليه أن يتقدم إلى الامتحان، ونيته تعليم أبناء الأزهر ومن سواهم بعد نيله الشهادة كيما يساير الناس وهم يعتقدون أن العلم لا يؤخذ إلا ممن لديه هذه الشهادة، فانشرح صدره ووضع للرسالة وقدمها وبعد البحث أن اسمه غير مدرج في سلك الطلاب، ولم تكن له مدة معلومة فلا يقبل طلبه ولكن الله القدير يسر له الصعاب!! وفي الأربعاء اليوم التاسع والعشرين من شهر رجب سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة وألف ( سنة 1313هـ) 15 من يناير سنة 1896 م أدى المؤلف الامتحان أمام اللجنة المكونة من حضرات أصحاب الفضيلة الأساتذة الأجلاء الشيخ حسونه النواوي شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية. والشيخ بكري عاشور الصدفي والشيخ عمر الرافعي الحنفيين. والشيخ أحمد الرفاعي والسيد على الببلاوي المالكيين. والشيخ محمد حسين الأبريري. والشيخ سليمان العبد الشافعيين. لقد كان أعجاب اللجنة به عظيما وسرورها فائقا وجاوز المؤلف الميدان ظافرا منصورا !!
(1) تبرم) ضجر وتألم.