كان لأمريكا بعظمتها، أن تقوم منفردة بعمل عدواني ضد العراق، لأنها في هذه الحالة ستجابه العالم بأسره. وبما أن مآرب اليهود، من خلال إشعال حرب الخليج الأولى، لم تتحقّق. بل على العكس من ذلك تماما، خرج العراق من هذه الحرب محتفظا بقوته، وقامت قيادته بتهديد إسرائيل جهارا نهارا، بحرق نصف إسرائيل حال اعتدائها على أي بلد عربي، فكانت هذه القيادة"كمن حكّ لليهود على جرب".
آنذاك قامت الدنيا ولم تقعد، طبل وزمر في الشرق والغرب، لتأكيد عدوانية العراق ونازيته، فحرق اليهود هو فعل هتلريّ نازيّ، وكان ذلك لتهيئة الرأي الغربي والعالمي، لاستقبال هتلر جديد يسعى لحرق اليهود. وفي الخفاء كانت تُطبخ مؤامرة جديدة، تمخّضت عن غزو العراق للكويت، وبذلك استطاعت أمريكا، أن تُوجد مبرّرا قانونيا لتدمير العراق، فغزو العراق للكويت، كان مخالفا للقوانين والأعراف والمواثيق الدولية، وبذلك استطاعوا إضفاء الشرعية على عدوانيتهم، لتحقيق مآربهم الحقيقية تحت غطاء الشرعية الدولية، وبدلا من أن تواجه أمريكا المعتدية العالم بأسره، أصبحت الضحية العراقية تواجه العالم، بعد أن أصبحت معتدية، كما حصل مع ألمانيا، بنفس السيناريو ما قبل الحرب العالمية الثانية، وبكل حيثياته، والسبب هو عداء قيادة البلدين لأسياد العالم، وبذلك أُجبرت دول العالم المختلفة، على اتخاذ موقف معادي للعراق، حتى من قبل حلفاءه التقليديين، في ذلك الوقت.
أما في الوقت الحالي، فقد بدأت دول العالم مؤخرا، تصحو من أكاذيب الإدارات الأمريكية المتعاقبة، لتبرير ما تنتهجه من سياسات إزاء العراق، فكل المبرّرات السابقة لم تعد موجودة، وأصبحت الأعمال الأمريكية العدوانية، تُجابه بالمعارضة الشديدة من قبل أغلب دول العالم. وحتى قرارات الشرعية الدولية، تميل كثير من الدول ومنها روسيا والصين، إلى التغاضي عن البحث، في مسألة التزام العراق بها من عدمه، ومنها مسألة فرق التفتيش عن الأسلحة. بل تعمد هذه الدول أحيانا، إلى خرق هذه القرارات سرا، حتى وصل الأمر بمجلس الدوما الروسي، إلى المطالبة بالتصويت، على عملية رفع الحصار عن العراق من جانب واحد. أما الأكثر تمسكا بقرارات الشرعية الدولية، فهم الذين يذرفون دموع التماسيح، على الشعب العراقي، بدعوى أنهم حريصون على مصلحة هذا الشعب، وأن قيادة هذا الشعب ليست حريصة عليه، بما أنها عصت وتمرّدت على قرارات الشرعية الدولية، التي جعلوا من يعصيها، بمنزلة من عصى الله، إن لم تكن أعظم.
وأما دعوى الأمريكان، بأن العراق يُشكل تهديدا للمصالح الأمريكية، في منطقة الشرق الأوسط، وأهم هذه المصالح، هي تدفق النفط بأسعار معقولة، واستمرارية فتح الأسواق الخليجية للبضائع الأمريكية، فهي دعوى باطلة، فهذان الأمران هما تحصيل حاصل، منذ اغتيال الزعيم العربي الوحيد، الذي عارض الإله الأمريكي بقطع النفط، ليشلّ بذلك العالم الغربي بأسره. وأما التذرّع بعدوانية العراق على جيرانه بغزوه للكويت، فهو محض افتراء، لأن من أجبر العراق على غزو الكويت، هم الأمريكان بعلم، وحلفائهم الكويتيون بغير علم، وبتخطيط وتدبير وتشجيع من الأمريكان أنفسهم لكلا الطرفين، وبمساعدة من العرب أنفسهم. لنخلص إلى القول أن العداء الأمريكي للعراق، أصبح غير مبرّر، في نظر شعوب العالم كافة، حتى من قبل الشعب الأمريكي نفسه، الذي أصبح يُحرج قادته، بتفنيد كافة الحجج والذرائع، التي يُبرّرون فيها مواقفهم المتناقضة من العراق وإسرائيل.
ولنخلص إلى القول، أولا؛ بأن الموقف العالمي إزاء الصراع الأمريكي العراقي، أصبح مختلفا بل مغايرا لما كان عليه في السابق، فهناك بعض الدول العظمى وحتى الصغرى منها، باتت تتخذ موقفا مناهضا لأمريكا ولإسرائيل، ومتعاطفا مع العراق وفلسطين، وخير مثال على ذلك موقف كولومبيا في مجلس الأمن المؤيد، لإرسال قوة حماية دولية للفلسطينيين، مبدية عدم اكتراثها بمقاطعات أمريكا الاقتصادية، وموقفي كل من روسيا والصين. وثانيا؛ بأن الموقف الأمريكي المعادي للعراق، عند عدم عزوه للمخاوف التوراتية اليهودية، يُصبح أمرا لا يُمكن فهمه من قبل الآخرين.