وقد اشتهر عن ابن دقيق العيد - من كبار علماء النقد - قوله:"أعراض المسلمين حفرة من حفر النار وقف على شفيرها طائفتان من الناس: المحدثون والحكام" (1) .
ومما ورد عن أئمة الجرح والتعديل في خوفهم من هذه المسئولية ما جاء عن ابن أبي حاتم أنه دخل عليه يوسف بن الحسين الصوفي وهو يقرأ كتابه في الجرح والتعديل ، فقال له: كم من هؤلاء قد حطوا رواحلهم في الجنة منذ مائة سنة ومائتي سنة وأنت تذكرهم وتغتابهم ؟ فبكى عبد الرحمن (2) .
لم تقتصر جهود المحدثين على اشتراط شروط قاسية في الناقد الجارح والمعدل ، بل إن الأمر تجاوز إلى وضع الضوابط والقواعد في الجرح والتعديل نفسه بحيث تكون الصفات المعتبرة في الجرح والتعديل أمرا غير خاضع للذوق أو الهوى الشخصي ، فوضعوا تلك الصفات على هدي من روح الشريعة ونظام النقد عند المحدثين .
أجمل هذه الصفات أبو عمرو بن الصلاح ، قال:"أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلا ضابطا لما يرويه ، وتفصيله أن يكون مسلما بالغا عاقلا سالما من أسباب الفسق وخوارم المرؤءة متيقظا غير مغفل حافظا إذا حدث من حفظه ، ضابطا لكتابه إن حدث من كتابه ، وإن كان يحدث بالمعنى اشترط فيه مع ذلك أن يكون عالما بما يحيل المعاني" (3) .
وبالتأمل فيما ذكره ابن الصلاح نلاحظ أن صفات القبول والرد بالنسبة للرواة ترجع إلى أمرين: العدالة ، والضبط ، فمتى توفرا في راو قُبِل ، ويرد الراوي باختلال إحدى هاتين الصفتين .
وينبغي أن نوسع الكلام شيئا في هذين الأمرين لفهم منهج المحدثين في التعديل والتجريح .
الخلاصة
(1) الاقتراح في بيان الاصطلاح لابن دقيق العيد . ص330-344
(2) علوم الحديث لابن الصلاح ص390.
(3) علوم الحديث لابن الصلاح ص94. وللشافعي كلام في صفات الراوي الذي تقبل روايته ، ذكر ذلك في كتاب الرسالة ص370-371 وتناولها ابن رجب بالشرح في شرحه على علل الترمذي ص259 فما بعدها .