الصفحة 15 من 46

قد أسلفنا عند الكلام عن نظرية الإسناد أن نصوص الشرع وجهت إلى مبدأ الإسناد وروحه، ودلت تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم على تزكيته بل اعتماده .

ومن ثم لم تكن هناك معارضة لهذا المبدأ ولم يحاول أحد في تلك لعصور أن يشكك في شرعية مبدأ الإسناد ، بل سرى حتى غدا تقليدا متبعا ومهيعا مسلوكا كما ذكرنا .

ولذلك لما نظر ابن المبارك لمبدأ الإسناد قائلا::"إن الإسناد دين"لم يعترض أحد من الناس بدعوى أنه ابتداع ، أو يستنكر على ابن المبارك إدخال ما ليس من الدين فيه .

ولكن علم الجرح والتعديل لم يكن بهذه المثابة ، فقد نشأ هذا العلم في رحم الإسناد ولكنه لم يأخذ سمة العلم إلا في وقت متأخر ، في الوقت الذي كان مبدأ الإسناد قد استقر واعتمد بدون أي خلاف فيه .

وقد علمنا أن الجرح والتعديل قد مارسه الصحابة رضي الله عنهم والتابعون من بعدهم ، ولكن طائفة لم تستوعب هذا الاتجاه الجديد في نقد الإخبار والأسانيد ، وظنت أن جرح الرواة لا يعدو أن يكون من الغيبة أو البهتان على الناس ، وهو مما نهى عنه الشارع .

فنشط المحدثون لتأصيل نظرية الجرح والتعديل من الناحية الشرعية ، وبيان وجه الحاجة إليه لحفظ الشريعة من انتحال المبطلين .

وممن أصل لذلك الإمام مسلم في مقدمة صحيحه ، والإمام الترمذي في العلل الصغير الذي ألحقه بكتاب الجامع .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت