وقال الشعراني:
"راضى الصوفية أنفسهم بالجوع حتى صارت تصبر على الطعام أربعين يوما وأكثر , وبعضهم حجّ من مصر بأربعة أرغفة حملها معه أكل في كل ربع من الطريق رغيفا , وبعضهم حجّ برغيفين , رغيف أكله بمكة ورغيف أكله في العقبة , وبعضهم أكل في مصر من يوم خروج الحجاج فلم يأكل شيئا حتى رجع مصر" [1] .
والصوفي الفارسي الباخرزي المتوفى سنة 736 هـ كتب أن المشائخ قالوا:
"لا تأكل ما تشتهي , وأن تأكل لا تطلبه , وأن تطلبه لا تتزين به , وقالوا: ما فوق الخبز فهو شهوة ولو كان ملحًا , ولكن البعض يقولون: أن الخبز من كبرى المشتهيات , وأعلاها اللحم والحلوى , وأدناها الملح والخلّ" [2] .
ونقل ابن عجيبة الحسنى عن سهل التستري أنه قال:
"لأن أترك من عشائي لقمة أحب إليّ من قيام ليلة" [3] .
ونقل العطار عن سري السقطي أنه كان يقول:
"منذ أربعين سنة تتمنى نفسي شرب العسل ولكني لم أجبها" [4] .
وعلى ذلك يتركون التكسب ويرونه من المبغضات بل المنكرات والمحرمات , ويأمرون بالتسول والاستجداء أو الكسل والخمول مع أنه من سنة رسول الله وسنة خلفائه الراشدين المهديين بعده , الذين أمر المؤمنين بإقتدائه وأتباع سنتهم , وهو سنة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عامة إلا من أعوز الفقر أو اقعدته الملمات.
والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة لا تعد ولا تحصى , نذكر منها ما رواه المقداد بن معد يكرب أنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أكل أحد طعاما قط خيرًا من أن يأكل من
(1) درر الغواص للشعراني ص 59 من هامش الإبريز للدباغ ط مصر.
(2) أوراد الأحباب وفصوص الأدب (فارس) لأبي المفاخر يحيى الباخرزي بتحقيق أبرج أفشار ص 332 ط جامعة طهران 1966 م ,.
(3) الفتوحات الإلهية لأبن عجيبة الحسني ص 134.
(4) تذكرة الأولياء لفريد الدين عطار ص 153 ط لاهور.