ويقول سمنون المحب: الفقير الصادق هو الذي يأنس بالعدم كما يأنس الجاهل بالغنى [1] .
ومن إحدى خرافات النفري في مواقفه أنه قال:
"قال لي الله: إن كنت ذا مال فما أنا منك , ولا أنت مني" [2] .
وحكى ابن الملقن في هذا المعنى عن الجنيد أنه قال:
"جاء إبراهيم الصياد يومًا إلى سرى وهو متزر بقطعة حصير , فأمر السري فجيء بجبّة فأمتنع من لبسها , فقال له سرى: ألبسها , فإنه كان معي مقدار عشرة دراهم من موضع حلال فأشتريها به ,فنظر إليه شزرا , وقال: أنت تقعد مع الفقراء ومعك عشرة دراهم , وأمتنع من أخذها" [3] .
ولذلك لا يشتغلون بالكسب وطلب المعاش , بل يظنونه ركونًا إلى الدنيا [4] .
وأما الحج فأحيانًا يستهزؤن به , وأحيانًا كانوا يخرجون له بدون زاد وراحلة يتكففون الناس ويستجدون منهم , ويمدون الأيدي إليهم , وقد مر بيان هذا فيما سبق عند ذكر تطرفهم في التوكل.
وأما تركه والإستهزاء به فيذكر العطار عن أبي يزيد البسطامي أنه خرج مرة للحج , فرجع من الطريق فسألوه عن السبب , فقال: لقيني في الطريق رجل حبشي وقال لي: لماذا تركت الله ببسطام فرجعت [5] .
ونقل السهلجي والعطار عن البسطامي أيضًا أنه قال:
"خرجت إلى الحج , فاستقبلني رجل في بعض المتاهات فقال: أبا يزيد إلى أين؟ فقلت: إلى الحج , فقال: كم معك من الدراهم؟"
(1) طبقات الصوفية لعبد الرحمن السلمي ص 47.
(2) كتاب المواقف لمحمد بن عبد الجبار النفري ص 54 ط ... مطبعة دار الكتب المصرية 1934 هـ.
(3) طبقات الأولياء لابن ملقن ص 25.
(4) أنظر لذلك قوت القلوب ج 1 ص 252 , أيضًا كتاب اللمع للطوسي ص 261 , أيضا غيث المواهب العلية للنفزي الرندي ج 1 ص 208.
(5) تذكرة الأولياء لفريد الدين العطار ص 82.