ويقول الدكتور:"لقد تعرضت للسؤال منذ أمد بعيد ، ولكني كنت إزاءه من المتعجلين الذين يسارعون بجواب قبل أن يفحصوه ويمحصوه ليزيلوا منه ما يتناقض من عناصره ، فبدأت بتعصب شديد لإجابة تقول: إنه لا أمل في حياة فكرية معاصرة إلا إذا بترنا التراث بترًا ، وعشنا مع من يعيشون في عصرنا علمًا وحضارة ، ووجهة نظر إلى الإنسان والعالم ، بل إني تمنيت عندئذ أن نأكل كما يأكلون ، ونجدَ كما يجدُون ، ونلعب كما يلعبون ، ونكتب من اليسار إلى اليمين كما يكتبون !! على ظن مني آنئذ أن الحضارة وحدة لا تتجزأ ، فإما أن نقبلها من أصحابها ـ وأصحابها اليوم هم أبناء أوربا وأمريكا بلا نزاع ـ وإما أن نرفضها ، وليس في الأمر خيار بحيث ننتقي جانبًا ونترك جانبًا ، كما دعا إلى ذلك الداعون إلى اعتدال ؛ بدأت بتعصب شديد لهذه الإجابة السهلة ، وربما كان دافعي الخبيء إليها هو إلمامي بشيء من ثقافة أوربا وأمريكا ، وجهلي بالتراث العربي جهلًا كاد أن يكون تامًا ، والناس ـ كما قيل بحق ـ أعداء ما جهلوا ."
ثم تغيرت وقفتي مع تطور الحركة القومية ، فما دام عدونا الألدُ هو نفسه صاحب الحضارة التي توصف بأنها معاصرة ، فلا مناص من نبذه ونبذها معًا ، وأخذت أنظر نظرة التعاطف مع الداعين إلى طابع ثقافي عربي خالص ، يحفظ لنا سماتنا ويردُ عنا ما عساه أن يجرفنا في تياره فإذا نحن خبر من أخبار التاريخ ، مضى زمانه ولم يبق منه إلا ذكراه". ويتابع الدكتور قوله:"ولولا رجوعي إلى ثقافتي العربية لدخلت القبر بلا رأس" ( تجديد الفكر العربي ، القاهرة ، دار الشروق ، ص12ـ 14 ) ."
ماذا تعني الأصالة ؟
إن فهم الأصالة يقتضي ما يلي:
ضرورة المعرفة والفهم لثقافتنا: فهم هذه الثقافة من مصادرها الأصلية ، ومن أهلها الثقات ، وبأدواتها ومناهجها الخاصة .