لقد أباح التشريع الاسلامي عملية بيع السلع والعملات بعنوانه الأوّلي، واعتبره واجبًا إذا توقّف على هذا العمل التجاري دفع الضّرر الاقتصادي، غير أنّ هذا المباح يصير محرّمًا إذا ما أضرّ باقتصاد الاُمّة ووضعها المالي ، فمثلًا التصدير الخارجي للذهب والعملات والسّلع عمل اقتصادي مُباح في الشريعة الاسلامية، غير أنّه يصبح محرّمًا إذا ما أضرّ باقتصاد الاُمّة ومركزها المالي .
وبذا وضع الاسلام القاعدة التشريعية التي يتغيّر فيها الحكم الأوّلي إلى حكم ثانوي، فتغيّر المباح الى واجب أو محرّم أو بالعكس، حسب العوارض والطوارئ التي عرضت له وطرأت عليه هو دليل على وجود الثابت والمتغيِّر في التشريع الاسلامي، وعندما يزول العارض والطارئ يُصار الى الحكم الأوّلي، ولا تجوز مخالفته، لأنّ المصلحة عندئذ في العمل به .
ومن الأمثلة على ذلك الموقف من الاستثمارات الاقتصادية الأجنبية، فهي مُباحة بالحكم الأوّلي، غير أنّ هذه الاستثمارات تصير محرّمة إذا ما أدّت الى التحكّم السياسي والسيطرة على اقتصاد الاُمّة من قِبَل الدولة الأجنبية المستثمرة .
3 ـ التزاحم وتقديم الأهمّ على المهمّ:
التزاحم مصطلح اُصولي يعني: «هو التنافي بين الحكمين بسبب عدم قدرة المكلّف على الجمع بينهما في عالم الامتثال» (4) .
وهو في حقيقته تنازع بين واجبين أو واجب ومحرّم على الزمان أو المكان أو الاستطاعة، بشكل لا يسع المكلّف تنفيذهما معًا في ذلك المقطع الزمني أو المكاني، أو بما يملك من قدرة، فلا بدّ له من تنفيذ أحدهما وترك الآخر .
وهذا الصنف من التزاحم (التنازع) يتحوّل في المفهوم التشريعي الى تنازع بين الأحكام، ويكون واجب المكلّف هو تقديم الأهم من الملاكات على مزاحمه (منازعه) ، ويوضِّح الشهيد الصّدر كيفية معالجة حالات التزاحم بقوله:
«إنّ القانون الذي تعالج به حالات التزاحم هو تقديم الأهمّ ملاكًا على غيره» (5) .
ــــــــــــــــــ