وعلى ضوء هذا أود أن أشير إلى ان هذه الدراسة ـ وغيرها ـ تجمعت في سنوات عديدة على امتداد عقد الثمانينات، وكانت منطلقة من وحي الميدان العملي لتلبية حاجة رأيتها أيامذاك موجودة في الساحات التي تحركت فيها. انها ليست بحثًا نظريًا كتب في جو هاديء ـ مع تقديري لأمثال تلك الابحاث وقيمتها الفكرية ـ بل هي نتاجات مرحلة عشتُ أحداثها ووقائعها بالتفصيل. وقد وجدت أهمية اعادة كتابتها من جديد أملا في أن أقدم مساهمة مخلصة في مجال الفكر الحركي في حياة العاملين وتجاربهم.
وقد وقع اختياري في البداية على هذه الدراسة التي تحمل عنوان (التوازن في الشخصية) لما فيها من أهمية تمس حياة العاملين للاسلام في كل فترة من فترات العمل، لا سيما في ظروف المحنة. فالموضوع يتحرك على منطقة واسعة من حياة الانسان المسلم تشمل دائرته الداخلية المتعلقة بالنفس وأهوائها وأنفعالاتها، وكذلك المحيط الذي يتعامل معه. فهو يغطي تفكير الانسان وسلوكه بكل التفصيلات الكثيرة والمعقدة المتفرعة عن التفكير والسلوك.
إن سعة المساحة التي تندرج تحت عنوان (التوازن) تجعلنا نسير في أكثر من اتجاه في حياة الانسان المسلم من أجل أن نعطي في النهاية الصورة المتزنة للشخصية الاسلامية كما أرادها الله تعالى وهي مهمة صعبة وشاقة، لا لأن اعطاء المنهج الاسلامي في هذا الاتجاه عملية مطولة في ضوء التعقيدات الحياتية والاجتماعية والسياسية، بل لأن تحقيق التوازن الشخصي من أصعب المهمات التي يواجهها الانسان. فرغم وضوح الطريق الذي رسمه الاسلام، إلا أن المسلم تحركه رغباته وأنفعالاته النفسية فتحيد به عن طريق الطاعة والحق، وتدخله في مسارات تبتعد عن المنهج الاسلامي في المشاعر الداخلية وفي السلوك العام مع الآخرين.