وما يتطلبه المعنى المرادُ في السياق يُذكر، وما لا حاجة إليه لا يُذكر، وهذا لا يعني أنَّ ما لم يذكر في طور العدم، بدليل أنه قد يُذكر متى احتاج إليه السياق، فالسياق هو الذي يحدّد العناصر التي تُقيمه، فتذكر، وما لا تفيده، فتغفل، لأنها حشو فيه، وكلُّ ما هو حشو يكون زيادة في سياقه.
قال أبو البركات الأنباري:"إن قال قائل ما العامل في المفعول له النصبَ؟ قيل العامل في المفعول له الفعل الذي قبله، نحو:"جئتك طمعًا في برّك، وقصدتك ابتغاء معروفك"، وكان الأصل فيه جئتك للطمع في برك، وقصدتك لابتغاء معروفك، إلا أنه حذف اللام، فاتصل الفعل به، فنصبه، فإن قيل: فلمَ تعدى إليه الفعل اللازم كالمتعدي؟ قيل: لأنَّ العاقل لما كان لا يفعل شيئًا إلا لعلة، وهي علة للفعل وعذر لوقوعه، كان في الفعل دلالة عليه، فلما كان فيه دلالة عليه تعدى إليه" ( [16] ) .
وهذا الكلام يعني ـ بلا شكٍّ ـ أن كل فاعل يفعل فعله لعلَّة معينة، وكان الأصل أن تُذكر في السياق، ولكنها أُغفلت لعدم الحاجة إليها، فهي بهذا المعنى بحكم الموجودة، وكذا حال الفاعل، يبيِّن ذلك قول أبي البركات:"فإن قيل: فلمَ عمل الفعل اللازم في الحال؟ قيل: لأنَّ الفاعل لما كان لا يفعل الفعل إلا في حالة، كان في الفعل دلالةٌ على الحال، فتعدَّى إليها كما تعدى إلى ظرف الزمان، لما كان في الفعل دلالةٌ عليه" ( [17] ) .
وفي هذا السياق قال أبو البقاء:"من شرط المفعول له أن يكون مصدرًا يصح تقديره باللام التي يعلل بها الفعل، والمفعول له هو الغرض الحامل على الفعل، ولما كان كلُّ حكيم وعاقل لا يفعل الفعل إلا لغرض، جعل ذلك الغرض مفعولًا من أجله، وهو منصوب بالفعل الذي قبله لازمًا أو متعديًا، لأنَّ الفعل يحتاج إليه كاحتياجه إلى الظرف" ( [18] ) .