الصفحة 168 من 337

وهو يستهل كتابه بتبيان الغرض من تأليفه قائلًا:"وقد جمع قوم من أهل اللغة الحروف -يعني: الكلمات- المتضادة. صنّفوا في إحصائها كتبًا نظرت فيها فوجدت كل واحد منهم أتى من الحروف -الكلمات- بجزء، وأسقط منها جزءًا.وأكثرهم أمسك عن الاعتلال لها، فرأيت أن أجمعها في كتابنا هذا، على حَسَب معرفتي ومبلغ عملي، ليستغني كاتبه والناظر فيه عن الكتب القديمة المؤلفة في مثل معناه" (17) .

وكان قبل ذلك، قد عرض وجهة النظر التي تعارض فكرة الأضداد أي أنْ"يكون الحرف -الكلمة- مؤديًا عن معنيين مختلفين. ويظن أهل البِدَع والزَيغ والإزراء بالعرب أن ذلك كان منهم لنقصان حكمتهم وقلة بلاغتهم، وكثرة الالتباس في محاوراتهم عند اتصال مخاطباتهم، فيسألون عن ذلك ويحتجّون بأن الاسم منبئ عن المعنى الذي تحته، ودال عليه، وموضح تأويله."

فإذا اعتور اللفظة الواحدة معنيان مختلفان، لم يعرف المخاطب أيهما أراد المخاطِب، وبطل بذلك تعليق الاسم على المسمى (18) "."

ويَردّ ابن الأنباري على هذا الاعتراض الذي تضمن وجهة نظره في قائله، وهو لا بد أن يكون من الشعوبيين (19) "أهل البدع والزيغ والإزراء بالعرب"فيقول:

"فأجيبوا عن هذا الذي ظنوه وسألوا عنه، بضروب من الأجوبة، أحدهن أن كلام العرب يصحح بعضه بعضًا، ويرتبط أوله بآخره، ولا يعرف معنى الخطاب منه إلا باستيفائه واستكمال جميع حروفه، فجاز وقوع اللفظة على المعنيين المتضادين لأنها يتقدمها ويأتي بعدها ما يدل على خصوصية أحد المعنيين دون الآخر، ولا يراد بها في حال التكلم والإخبار إلا معنى واحد فمن ذلك قول الشاعر:"

والفتى يسعى، ويلهيه الأمَلْ

كل شيء ما خلا الموتَ جلَلْ

فدل ما تقدم قبل"جلل"وتأخر بعده على أن معناه:"كل شيء ما خلا الموت يسير"ولا يتوهم ذو عقل وتمييز أن الجلل هنا معناه عظيم. ويقدم ابن الأنباري مثالًا آخر:

ولئن سطوت لأُوهِنَنْ عظمي

فلئن عفوتُ لأَعُفَونْ جللًا

فإذا رميت، يصيبني سهمي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت