الصفحة 104 من 337

وبهذا المسح الشامل لخصائص الحروف العربية ومعانيها قد تبيّن لي أن لكلّ حرف عددًا من المعاني بحسب مواقعه من المصادر. وذلك لأن خصائصه (الصوتية وغير الصوتية) ، تتغير بحسب مواقعه منها.

ولا يضر (شخصية) الحرف العربي المتمثلة في خصائصه، أن تتغير ملامحها بحسب مواقعه من الكلمة. فإن ملامح شخصية كل إنسان تتغير أيضًا بحسب مواقعه في مقدمة الصفوف من المجتمع، أو في آخرها أو في الوسط.

وهكذا فإن التباس خصائص الحروف العربية بمعانيها تعود إلى أن الفكر اللغوي القديم والجديد قد عالج مسألة أصالة الحرف العربي وحداثته في ظل الكلمة العربية الشاعرة المستوفية شروط نضجها باعتبارها هي الأصل وهو الفرع. فكان لا بد لعلماء العربية وأساتذتها أن يتعاملوا مع الحروف العربية ومعانيها بكثير من المزاجية الشخصية وقليل من الضوابط العلمية.

أما أنا، فبلجوئي إلى الإحصاء الرياضي، بمعرض استخراج معاني المصادر التي تقع الحروف العربية في أوائلها وأواخرها وأواسطها أحيانًا، وبتأمل خصائصها على ألف مهل من التأني والتروي، قد ابتعدت عن الخواطر الشاردة والمزاجية الشخصية، فتجنبت بذلك الكثير من المزالق (السمعية والبصرية والشعورية) .

وسيرى القارئ أن هذه العقبة هي أصل العقبتين التاليتين، لا بل وكل العقبات الثانوية التي حالت بين علماء العربية وأساتذتها، وبين الاهتداء إلى أصالة الحرف العربي (خصائص ومعاني) ومن ثم إلى حداثته.

العقبة الثانية -ظاهرة الفوضى في تدوين اللغة العربية:

لقد ظلت العربية الفصيحة بصيغ مفرداتها وقواعد صرفها ونحوها وما إليهما سماعية في معظمها يتداولها أبناؤها الخلَّص على سجيتهم عفو الفطرة في بواديهم وحواضرهم على صفحات الذاكرة جيلًا مثقفًا منهم بعد جيل، وبلا تدوين حتى ما بعد نزول القرآن الكريم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت