وكان من علل ذلك هو أنه"استرعاءهم ما فيه من حلاوة اللفظ , وطلاوة المعنى والتركيب , وعمق ما أشتمل حتى أنه مغدق في جذوره كلما تكشف القارئ عن عمقه رأى ما يصل إليه البشر , وكلما أتجه إلى أعلاه وجد ثمرًا شهيًا" (1) ففي كتاب الله تعالى ألفاظ اختيرت اختيارًا , يتجلى فيه وجه الأعجاز من هذا الاختيار , فهذه الألفاظ نجد أنها تخدم المعاني , وبل وأنها تتبعها وتلحق بها , ونود أن نبين أمرًا هامًا للغاية , وهي أن الألفاظ القرآنية والكلمات من سبب الأعجاز , كلا وإنما يكون في تناسق الكلمات وما تسعه من معان واخلية بيانيه بأسلوب مكتمل البيان يلتقي بنغمه وفواصله وصوره البيانية مع الألفاظ المحكمة والمعاني السليمة .وللخطابي رحمه الله المتوفي سنة 388هـ يقول في رسالته ضمن رسائل ثلاث في أعجاز القرآن:"وأعلم أن القرآن إنما صار معجزًا لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف , متضمنًا أصح المعاني من توحيد له عزت قدرته , وتنزيه له في صفاته , ودعاء إلى طاعته , وبيان بمنهاج عبادته من تحليل وتحريم , وحظر وإباحة ومن وعظ وتقويم وأمر بمعروف , ونهي عن منكر , وإرشاد إلى محاسن الأخلاق ..." (2) فإنك واجد في ترتيب هذه الألفاظ بحكم أنها خدم للمعني , بل وتابعة لها ولاحقة بها , وأن العلم بمواقع المعاني في النفس , علمُ بمواقع الألفاظ الدالة عليها في النطق .
البحث الثاني: ظاهرة التكرار اللفظي في القرآن
(1) 1 المعجزة الكبرى _ صـ57 محمد أبو زهرة .
(2) 2 نفس المصدر صـ 77 .