الخميس 24\5\1424هـ
المبحث الأول: ألفاظ القرآن وحروفه
مما أختص به القرآن أنه ذو ألفاظ في غاية الدقة والأحكام , ولا غرابة في ذلك فهو كلام الله تعالى المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم , غير ذي عوج , قد أكتمل فيه كل شيء , بل إنه المعجزة الكبرى الباقية منذ الوحي وحتى وقتنا هذا , وإلى ما شاء الله إلى يوم الدين . فجمال الكلمة في القرآن:"يتمثل في تضاعيف كلام كثير وهي غرة جميعه ,وواسطة عقده , والمنادي على نفسه بتميزه وتخصصه برونقه وجماله واعتراضه في حسنه ومائه" (1) ولما في هذا اللفظ حين يجتمع مع الألفاظ الأخرى ففيه"إشعاع نوراني يتضافر مع جملته ويساعد بعضه بعضًا في المعاني العامة للأسلوب والعبارات الجامعة , وأن العبارات مجتمعة يساعد بعضها بعضًا" (2) ويقول عبد القادر الجرجاني:"ينبغي أن ينُظر إلى الكلمة قبل دخولها في التأليف , وقبل أن تصير إلى الصورة التي بها تكون الكلم إخبارًا وأمرًا ونهيًا , واستخبارًا وتعجبًا , وتؤدي في الجملة منىً من المعاني التي لا سبيل إلى إفادتها , إلا بضم كلمة إلى كلمة , وبناء لفظة على لفظة . هل يتصور أن يكون بين اللفظتين تفاضل في الدلالة حتى تكون هذه أدل على معناها الذي وضُعت له من صاحبتها على ما هي مرسومة" (3) ويضف رحمه الله:"هل يقع في وهم وأن جهد أن تتفاضل الكلمتان المفردتان , من غير أن ينظر إلى مكانٍ تقعان فيه من التأليف والنظم بأكثر من أن تكون هذه مألوفة مستعمله وتلك غريبة وحشية , أو تكون حروف هذه أخف , وامتزاجها أحسن , ومما يكُد اللسان أبعد ؟ ."
وهل تجد أحدًا يقول:"هذه اللفظة فصيحة"إلا وهو يعتبر مكانها من النظم , وحُسن ملائمة معناها لمعاني جاراتها وفضل مؤانستها لأخواتها .
(1) 1 إعجاز القرآن ص 67 للإمام أبي بكر الباقلاني .
(2) 2 المعجزة الكبرى ( القرآن ) ص 78 محمد أبو زهرة .
(3) 3 دلائل الأعجاز _ ص 44 وما بعده _ عبد القادر الجرجاني .