... وليس الدعاة بمنأى عن ذلك فقد يجرح بعضهم بأمور لا ينبغي التجريح بها ، إذ أنها من مسائل الاجتهاد والرأي ، أو أنها من العادات والأعراف ، أو أنها من المسائل الذوقية التي يختلف الناس في درجاتها بسبب التربية العائلية والوضع الاجتماعي ، وطبيعة المجتمعات .. أما إذا أجتمع الجرح والتعديل في شخص ، فإن الجرح مقدم على التعديل فيما يخص مقصد الولاية المرشح إليها، ولا ينظر إلى الجرح فيما سوى ذلك ، وهذا التخصيص هو الفارق مع قاعدة علم الحديث ، لأن المقاصد فيها واحد فقط وهو الصلاحية للرواية، بينما تتعدد المقاصد في العمل الإسلامي ، وفي الواقع أن لهذه القاعدة استثناء أيضا، فإذا ما كثر عدد المعدلين عن الجارحين ، واستفاضت الأخبار بالتوثيق فلا يتلفت إلى الجرح وخصوصًا بالنسبة للأمراء ، وأصحاب الفضل من علماء الجماعة وكبارها:
... ( والحذر كل الحذر ، أن تفهم أن قاعدتهم( الجرح مقدم على التعديل) على إطلاقها، بل الصواب أن من ثبتت إمامته وعدالته، وكثر مادحوه، وندر جارحوة، وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه من تعصب مذهبي أو غيره: لم يلتفت إلى جرحه.. ) (1) .
... خصوصًا وأن من طبائع الناس تكبير الأخطاء، وأن الزلة الصغيرة يعطي لها الحجم الكبير، وانطلاقا من هذا المفهوم أيضا، فقد يعتبر تجريح الأقران أحيانًا على وجود التنافس المذموم، فلا يؤخذ به غالبا، وخاصة في أوقات الفتن ووجود المشاكل، ويقاس ذلك على منع بعض المحدثين قبول جرح الأقران بعضهم ببعض، ومنهم ابن عبد البر الذي عقد بابًا خاصًا لكلام الأقران المتعاصرين من العلماء بعضهم في بعض وقرر:
... ( أن لا يقبل كلام بعضهم في بعض ، وإن كان كل منهم بمفرده ثقة حجة) (2) .
(1) - طبقة الشافعية لابن السبكي 1/188.
(2) - جامع بيان العلم 2/150.