الصفحة 23 من 43

وأقول لك: إن الأمثلة في هذا السياق لا تكاد تنقضي؛ فالخير- ولله الحمد- موجود في هذه الأمة، وإليك هذا المثال لإمام من أئمة العلم، والفضل، والزهد، والتقى ولد عام 1330 هـ وتوفي عام 1420هـ بعد أن خلف سيرة غراء، وذكرا أطيب من ريح المسك، بعد أن ملأ الدنيا علما وفضلا، وإصلاحا؛ إنه سماحة الإمام العلامة الحبر البحر الشيخ عبد العزيز بن باز- رحمه الله رحمة واسعة- لقد مات والده وهو صغير، حيث إنه لا يذكر والده، وكان ضعيف البنية في صغره؛ حيث لم يستطع المشي إلا بعد أن بلغ الثالثة من عمره، فمن كان وراءه حتى صار إلى ما صار إليه؛ لقد تعهدته والدته بالتربية، والعناية؛ فكان- منذ نعومة أظفاره- سباقا للخير، مواظبا على الطاعات، مبكرا للصلوات، وكان معروفا بالكرم منذ صغره، ومنذ أن كان يطلب العلم على المشايخ؛ فكان إذا سلم عليه أحد دعاه إلى غدائه أو عشائه، وكان يأخذ زملاءه في الضحى؛ ليطعمهم التمر وما تيسر، مع قلة ذات اليد، وشظف العيش آنذاك.

ألف المروة مذ نشا فكأنما رضع اللبان بها صبيًا مرضعًا

ولقد كانت أمه- بعد توفيق الله- نعم المعين والمربي والموجه له.

وإلا كيف يبلغ هذه الإمامة وذلك التفرد مع يتمه، ومع مرض العيون الذي أصابه في سن السادسة عشرة، وذهب ببصره وعمره تسع عشرة سنة؛ وما زالت أمه وراءه حتى توفيت وعمره خمس وعشرون سنة.

مناشدة

هذه نماذج عطرة، وصور مشرقة من سيرة السلف في التربية، تأخذ بالألباب، وتثير في النفس دواعي الإعجاب. وإن الإنسان إذا رأى ما عليه الأولاد في هذه الأزمنة من التمرد والانحراف، ورأى ما عليه الآباء من الغفلة والإعراض، وقارن حالنا بحال السلف الصالح، إن الإنسان إزاء هذا ليكاد اليأس يدب إلى قلبه، وينفث آثاره في روعه. ولكن مهما يكن من شيء فالمسلم لا ييأس، ولا ينبغي له، فالذي أصلح السلف قادر على إصلاح الخلف، وهذه الأمة كالمطر الخير في أولها وآخرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت