الصفحة 95 من 281

فالعلاقة الأولى محصورة أو منحسرة في اتجاه اللفظ وعلاقاته، فهي فكرة كامنة ضرورة في طبيعة التركيب اللغوي، أما الثانية فان العلاقة تأخذ فيها مدى أوسع وحرية حركة اكبر للمتلقي فهي دلالة يحملها الملفوظ لكن تحقق هذه الدلالة قائم على علاقتها الخاصة بالمقام؛ فالمدلول من (المفهوم الإشاري) ليس مفهوم (معنى المعنى) أو المدلول الثاني؛

وإنما هو كيان قائم على علاقة يقيمها ذهن المخاطب بين كل من الدال والمدلول، فتأخذ جانبًا أخر من جوانب الدال المولد للمعنى. فهناك أبنية تعد مولدة لعدد من المعاني والية

عمل هذه البنى الانتاجية ليست خاضعة لقوانين او قواعد خاصة تضبط حركتها لأنها ترتبط بذهن المخاطب وعالمة اكثر من ارتباطها بالملفوظ، فيظهر بذلك توليد جديد ترتبط بظهور معنى جديد أو قيمة إشارية لعلاقات موجودة أصلًا في الواقع تسمح لها بالظهور في سياقات لم تتحقق فيها من قبل (( فهي محاولة مقصودة للإفهام والبيان والدلالة على معنى او قصد معين بغير الفاظ ) ) [1] ، وإذا ما توافر متلقٍ يمتلك القدرة على ربط السياق والمقام باللغة ومعرفته الخلفية بطريقة خاصة استطاع ان يكتشف مفهومًا جديدًا من جانب علائقي اخر بين الدال والمدلول، فمحور هذه الآلية لا يقوم على سلسلة من المدلولات المتولدة من (دال واحد) والتي يعتمد بعضها على بعض بل انها تتمركز في حركة الدال نفسه الذي يتشكل بكيفية تعطيه حرية مد اواصر وعلاقات مع مدلول اخر بعيد عن المدلول الاول الاصلي الافتراضي للوصول الى الفهم في حين ان (المفهوم اللاقولي الاشاري) ليس من لوازم الفهم بل هو جانب آخر من جوانب الفهم مقصود لكنه ليس لازمًا فهو معنى مضاف للفظ.

وقد تتعاون اكثر من وحدة دلالية داخل النص الواحد في تحقيق اكبر قدر من التأثير، فتتحرك داخل النص ظواهر متعددة تعمل مجتمعه في ابراز المفهوم اللاقولي الاشاري، ففي قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ * وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلًا * ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا) [الآيات 1 - 3 / سورة الاسراء] .

(1) التواصل غير الكلامي بين الخطاب العربي القديم والنظر الراهن: محمد نادر سراج، الفكر العربي المعاصر، العدد 80 - 81، 1990/ص84.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت