الصفحة 66 من 281

ويمكن ان نقف على العناصر التي تعاضدت لتشكل مجالًا تأويليًا يبعث المعنى الخفي؛ فالسؤال موجه من اللَّه سبحانه الذي لا يخفى عليه شيء، وهذا يقتضي انتفاء طلب الاجابة للعلم بها، والذي توجه اليه السؤال هو من نسبت له مقولة بدعوى باطلة اتخذها

النصارى ذريعة للإشراك بالله تعالى، من هنا كانت طريقة السؤال وفحواه وطريقة

الاجابة، كل تلك العناصر مجتمعة في ذلك المشهد الذي نلحظ فيه حضور صوت طرف

واحد وتغييب الاصوات الاخرى، فالسؤال يحمل بين طياته تهمة لابد ان يعاقب

من أرتكبها، فالاستفهام عن قائل هذه المقولة (( فيه وعيد بتوجيه عقوبة ذلك الى من

قال هذا القول ان تنصل منه عيسى (- عليه السلام -) ، فيعلم احبارهم الذين اخترعوا هذا القول

انهم المرادون بذلك والمعنى انه لم يكن هو قائل ذلك فلا عذر لمن قاله؛ لانهم زعموا

انهم يتبعون اقوال عيسى (- عليه السلام -) وتعاليمه )) [1] ، وكأن عدم توجه الخطاب الى الفاعل

الحقيقي او القائل الحقيق مع علم السائل به تجاهلًا وتحقيرًا، فضلًا عن رغبة النص

في التركيز على فحوى المقولة التي واجهه بها لبيان دناءة القائل باسلوب اخر غير المباشرة بعقابه؛ ليحقق بذلك أثارًا نفسية أعمق من مواجهته مباشرة، كما ان فيه اثباتًا لوقوع هذا القول (( فاذا اقر عيسى(- عليه السلام -) بما يعلم وهو انه ما قال ذلك انقطعت اوهام الذين ينسبون

اليه ادعاءه الالوهية وكذبهم اقراره (- عليه السلام -) بما يعلم؛ فقامت الحجة عليهم فليس المراد

اظهار ان غير عيسى (- عليه السلام -) قال هذا القول دونه، بل المتبادر بيان انه لم يقله تكذيبًا

للمدعين لا ان غيره قاله دونه )) [2] ؛ فلما توجه السؤال الذي يحمل محور الجرم الذي

ارتكبوه الى من لا يتوارد عليه هذا الامر اصبحت المسألة تبرئة حقيقية له بأن اعطاه مجالًا لان يبرئ نفسه، ومن ثم لتنطلق من النص عقوبة لقائل هذا القول والذي نسبه ايضًا الى غير قائله؛ فالعقوبة ستكون هنا مادية ومعنوية ذلك ان وجهة الخطاب حملت معاني الذم والتكذيب والتوبيخ للمشركين والمدعين ألوهية عيسى (- عليه السلام -) وأمه (عليها السلام) عن بينة، ومن ثم اثبات الجرم عليهم وتعظيم لأثر هذه المقالة بحيث ان عقابها استحق العرض امام الامم كلها ويكون مسار التأويل منبثقًا على الشكل الأتي:

(1) التحرير والتنوير:7/ 113.

(2) عروس الافراح:2/ 298.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت