فالمجال الدلالي الذي اتسعت لتحتويه لفظة العقبة اقام اواصر مع الحقل الدلالي
الخاص بالاخرة فأصبحت عظم الذنوب وثقلها وشدتها اشبه بالعقبة )) [1] ؛ لانها تقف حاجزًا بينه وبين الجنة لو تخطاها لوصل؛ (( فهي الحائل بينه وبين هذا المكسب الضخم ) ) [2] ،
فيكون دخول الاستفهام بـ (ما ادراك) تعظيمًا لشأنها عند اللَّه تعالى (( ليحفز به الانسان الى اقتحامها وتخطيها؛ مهما تطلب من جهد ومن كبد وحين يبذل لاقتحام العقبة يؤتى ثمره ويعوض المقتحم عما يكابده ولا يذهب ضياعًا ) ) [3] ، ثم يأتي بيانها بما يقيمه السياق فيما يعادل العقبة فهي: (فك رقبه او اطعام في يوم ذي مسغبة يتيمًا ذا مقربة) ، وهذا البيان يحمل دلالتين الاولى: مرتبطة بظروف القول (( ومتعلقة بأوضاع المجتمع التي سمحت لانسان غرته قوته؛ فاستعبد مخلوقين مثله وملك رقابهم باغلال الاسترقاق المهين ) ) [4] ، ويمكن لهذه الاستهلالة بتلمس بعد عظم شأن هذه العقبة؛ (فك رقبة) والثاني: يتعالق مع عالم الحرية بكل تجلياته (( بأن يفك المرء رقبة نفسه بما يتكلفه من العبادة التي يصير بها الى الجنة؛ فهي الحرية الكبرى ويتخلص بها من النار ) ) [5] ، وذلك ان الصورة التي تمثل بها وهي قيد رقبة فيه اشعار بأنه قيد مهين لانسانيته حتى تنزل به الى منزلة البهائم والدواب، ولعلنا نرى فيها مقصدية عالية نابعة من كون (( أي اصلاح او خير لابد من ان يسبقه رد الكرامة الانسانية ) ) [6] ، ثم يتدرج في بيان ماهية العقبة التي يراد اجتيازها (( اطعام المسكين ذي المتربة أي: اللاصق بالتراب من بؤسه وشدة حاله في يوم المسغبة يقدمه السياق القرآني حظوة في سبيل اقتحام العقبة، لانه محك للمشاعر الايمانية من رحمة وعطف وتكافل وإيثار ومراقبة للَّه تعالى في عياله، في يوم الشدة والمجاعة والحاجة ) ) [7] ، ولما كانت هذه الخطوات التي يتجاوز بها الانسان العقبة جاء تأكيد لزوم الايمان؛ لانه شرط الانتفاع بهذه الصعاب التي تخطاها الانسان.
(1) الجامع لاحكام القرآن: 20/ 67.
(2) في ظلال القرآن: 6/ 3911.
(3) في ظلال القرآن: 6/ 3911.
(4) التفسير البياني للقرآن: 1/ 176.
(5) التفسير الكبير: 31/ 185.
(6) التفسير البياني للقرآن: 1/ 177.
(7) في ظلال القرآن: 6/ 3913.