الصفحة 36 من 281

الانبياء ومعاناتهم مع الاقوام التي أرسلوا اليها فالمجابهة التي يلاقونها واحدة تقابلها دعوة ناطقة بلسان واحد على اختلاف الزمان والمكان والشخوص فقوله تعالى:

(قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ) [الآية 59 / سورة النمل] .

جاء بعد ان امتد السياق بمساحته الدلالية في عرض عواقب بعض الامم التي كذبت الرسل، وهي اشبه بأحوال المكذبين بمحمد (- صلى الله عليه وسلم -) وبالكتاب الذي انزل عليه فالشخوص التي عرضها كانت تمتد الى افاق زمنية بعيدة، (موسى) عليه السلام وقومه ووصفهم بقوله:

(انهم كانوا قومًا فاسقين فلما جاءتهم اياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتها انفسهم ظلمًا وعلوا فأنظر كيف كانت عاقبة المفسدين) [1] ؛ فنلحظ من هذه القصة التي استهل بها الحديث عن الانبياء واقوامهم تأكيدًا واضحًا على إدخال (المتلقي الاول) بوصفه عنصرًا مساهمًا في الحدث؛ لانه عده كالمشاهد او المبصر للحالة التي آل اليها هذا الصنف من الاقوام، وقد تحققت مقابلة بين (اياتنا مبصرة) وفعل الامر (فانظر) وأسند الابصار الى الايات ليعيد دلالتين الاولى: ان الآيات مبصرة بذاتها فهي تبصر غيرها. والثاني: انها تجعل غيرها مبصرًا وذا بصيرة [2] ، ووصف الآيات بأنها مبصرة يحتمل دلالة المبالغة؛ لانها سبب في إبصار الناس وسبب في اهتدائهم والسياق العام يرشح دلالة الاعتبار المتحصلة من الفعل (فأنظر كيف) ؛ لان فيه حث على استرجاع الاستدراك للحصول على الفائدة، ونلحظ ان الصيغة نفسها تؤكد حضورها في الحديث عن قوم صالح (- عليه السلام -) (ومكروا مكرًا ومكرنا مكرًا وهم لا يشعرون * فأنظر كيف كان عاقبة مكرهم انا دمرناهم وقومهم اجمعين) [3] ، وفي قصة قوم لوط (- عليه السلام -) الذين جاهروا بالمعصية مصرين عليها آخذوا بالعذاب لذلك ولكفرهم بتكذيبهم رسولهم (( فلما رأهم قد سفلوا الى رتبة البهيمية، رتب دعاءهم منها الى رتبة الانسانية، ثم الى رتبة الوحدانية، ويدل على هذا التقدير قوله مشيرًا الى ان اللَّه تعالى اهلكهم وجميع من كفر من قبلهم، ولم تغن عنهم معبوداتهم شيئًا ) ) [4] ، فقد كان سلوكهم ان طلبوا من نبيهم ان يغادرهم وهموا بإخراجه بحجة انهم اناس يتطهرون (( وما كان من عاقبتهم بعد إذ هاجر لوط(- عليه السلام -) من بينهم وتركهم للدمار، ولقد همت قريش باخراج الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) ، وتامرت في ذلك قبل هجرته من بين ظهرانيهم بقليل

(1) سورة النمل، الايات / 12 - 14.

(2) التحرير والتنوير:15/ 144 و 20/ 43.

(3) سورة النمل، الايات / 50 - 51.

(4) نظم الدرر:14/ 185.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت