على ذلك اشد العقوبة، كما ان في عدم ذكر المفاعيل تنزيهًا عن تأثير الفاعل (فرعون) وفعله وهو أحط منه منزلة ومقامًا وجاء العطف بـ (ثم) الذي شارك الفاء في إفادة الترتيب وتفارقها في انها تفيد الانفصال في حين ان الفاء تفيد الاتصال [1] ، وتستعمل (ثم) للربط بين مراحل الحدث وتعطي إحساسًا بالانفصال الزمني؛ فقد استلزم إدباره وسعيه لحشر الناس وقتًا وعندها عاد السياق الى دلالة السرعة والتعقيب بالفاء، لانها مرحلة تصعيد للحدث إلى ان وصل الى ذروته بأن ادعى لنفسه الالوهية: (فقال انا ربكم الاعلى) ؛ (( فقد تمرد بعدما
علم صحة الامر بوجوب الطاعة وعصى اشد عصيان واقبحه إذ اجترأ على انكار وجود
رب العالمين، وكانوا مأمورين بعبادته وترك العظمة التي يدعيها الطاغية ويقبلها من
فئته الباغية ثم (ادبر) تولى عن الطاعة (يسعى) ساعيًا مجتهدًا في إبطال أمره (- عليه السلام -) ومعارضته الآية )) [2] ، ونجد في النص تركيزًا على حصر الهداية من ربه وحده بقوله: (وأهديك الى ربك) ، ففي هذا تحقير له بأنه من جملة عبيده وفيه إيحاء بتكذيب ادعائه الربوبية.
ان العلاقة التي يقيمها الدال مع المدلول قد تأخذ اكثر من شكل فتكون البنى المتشكلة مولدة لأكثر من معنى ويأخذ تعدد المدلولات شكلًا آخر غير التسلسل الهرمي بأن يقام الثاني على الاول فيتخذ الترتيب الافقي من ذلك قوله تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ) [الآية 109 / سورة المائدة] .
في النص تكرار لفعل (القول) وتركيزًا على إبرازه فقد جاءت صيغة القول المسند إلى الضمير العائد على لفظ الجلالة (مضارعًا) ليدل على التجدد والاستمرار وليحتوي الفضاء النصي الممتد من الماضي الى الحاضر والمستقبل بعناصره (الزمان والمكان) والشخوص المتمثله بالاقوام والرسل الذين أرسلوا اليهم ويتضمن مقول القول استفهامًا (بماذا) التي يسأل بها عن الماهية (( وماهية الشي هي احدى اسباب وجوده ) ) [3] ، وسؤال الذات الالهية عن فحوى الامر يجعل الاستفهام ينأى عن ان يكون بنية ناقصة تتطلب الاجابة، لان المستفهم هو الذي لا يفوته علم شيء في السماء ولا في الأرض؛ فيأخذ السؤال بعدًا آخر يتعاضد مع دلالة
(1) اساليب العطف في القرآن الكريم /130.
(2) روح المعاني: 30/ 154.
(3) بلاغة السؤال وسؤال البلاغة، عز الدين الخطابي، مجلة علامات، ج28، م7، 1997/ 314.