ومن ثم خرجت هذه المؤسسات جميعًا ذلك الجيل الذي حمل دعوة لالهدم وسار بها تحت اسم التقدم والحضارة وعمد إلى متابعة المستشرقين والمبشرين في تحريف التاريخ الإسلامي وتشويه مبادئ الإسلام وثقافته وانتقاص الدور الذي لعبه في تاريخ العالم، مع خلق شعور بالنقص في نفوس المسلمين.
وفي عشرات المجالات والقضايا عمل"التغريب": في مجالات التفرقة بين الإسلام والعروبة، وفي النظرة الجزئية، والفصل بين الدين والمجتمع، واللغة والتاريخ، وعن طريق إحياء الروابط القديمة التي أبادها الإسلام وقضى عليها نهائيًا.
ثم عمد إلى خلق شبح كريه أسماه القديم والماضي والتاريخ مع أمة واحدة من أمم الشرق والغرب لا تستطيع أن تدعي أنها انفصلت في أي نهضة عن ماضيها وتاريخها.
وأكبر الدعاوي الباطلة التي يثيرها التغريب هي عالمية الثقافة، والحضارة البشرية، ووحدة الفكر البشري وكلها دعوات لها دواخلها وغاياتها المريبة، التي تتمثل في مفهوم واضح هو"تذويب"الفكر العربي الإسلامي و"احتوائه"وصهره في بوتقة الأقوياء المسيطرين أصحاب النفوذ العالمي السياسي المسيطر.
ونحن نعلم أن لكل أمة ثقافتها وقيمها وذاتيتها وفاهيمها وتراثها ومزاجها النفسي الذي شكلته القرون المتطاولة والعقائد والقيم وأنه لا سبيل أن تنصهر إلا الأمم الصعيفة الذليلة، أما الأمة الإسلامية والفكر الإسلامي فإنه من المستحيل أن ينصهر أو يذوب في أي معدة مهما كانت، ذلك لأنه أعمق جذورًا وأقوى قوة من كل قوى الأرض.
يمكن أن توصف حركة الغزو الثقافي الحديثة التي بدأت تعمل في العالم الإسلامي منذ سيطرة الاستعمار الغربي، أنها امتداد متطور لهذه الحركة التي يحمل لواءها خصوم الإسلام وأعداؤه في كل عصر لإخراجه من قيمه ولإتاحة الفرص للغزو الأجنبي في السيطرة والاستعمار.