واستطاع التغريب أن يجد المنافذ المرنة الماكرة إلى ما يريد دون أن يصطدم بالعقائد أو يواجه المواقف الحرجة.
وإن كان المبشرون قد هاجموا المقومات صراحة، وقاموا بعملهم في عنف أول الأمر، فإنهم لم يلبثوا أن تحولوا عن هذه الخطة، واختفوا من المسرح، واستبطنوا أهدافهم، وحولوها إلى صورة أخرى أكثر دقة ومكرًا. فبرزت أحاديث صورية فيها تمجيد للدين وللغة ولمقومات الأمة فإذا تخدرت أفكار القراء، ووثقوا بالكاتب وكتاباته، بدأت عملية التشكيك الخفي، المدخول الدقيق، بل إن بعض الكتاب الذين عملوا مع التغريب وهاجموا المقومات الأساسية في أول الأمر ولم يلبثوا بعد قليل أن تحولوا مظهريًا، وخاضوا الحديث في أقدس مقدسات الأمة، عاملين على كسب الثقة الشعبية العامة في هذا المجال، حتى يتأتى لهم من بعد أن يحققوا في الخفاء ما يهدف إليه دعاة التغريب، لقد اختفت المعركة من على المسرح ودخلت إلى الكواليس، وأصبح مجال العمل، هو مناهج التعليم نفسها، أو مقالات الصحف أو فرض المذاهب الفكرية الغربية، وتأكيدها والاختفاء وراءها. وخاصة ما يتصل منها بمقاومة القيم العربية الإسلامية، كالمذاهب المادية والنظريات الفلسفية والنفسية التي تدمر قيم الإنسان وتعريه وتكشفه على نحو يقلل من كرامته، وفي هذا المجال ظهرت عشرات من النظريات والمذاهب والفلسفات المضطربة الذاهبة إلى كل مجال، وكان من شأن إذاعة هذه المذاهب والنظريات إحداث بلبلة فكرية من شأنها أن تقضي على الإيمان بالقمومات الأصلية. وتدفع الفكر العربي الإسلامي في متاهات وتخبطات.