لأنَّ البيِّنة الضَّعيفة لا تعارض القويّة كاللَّوث [1] أو بيِّنة المحتضر في معارضة عدلين، وكبيِّنة الصِّبيان في الجراح عند المجتهدين في مقابلة العدول، والمتواترة في مقابلة الشُّهرة، أو البيِّنة العادية فلا تعارض بينهما، ولأن اللَّوث ـ وهو بيِّنة ضعيفة ـ لا يعارض العدلين ـ وهي بيِّنة قويّة ـ، وكذلك بيِّنة المحتضر ضعيفة، وهي في الفقه نوع من اللَّوث وفيه اختلاف، ومثلها شهادة الصِّبيان، وتفرضها الضَّرورة، فإذا وجد العدول زالت الضَّرورة، أمَّا التَّواتر فلأنَّه يفيد اليقين والظَّنّ.
المطلب الثَّالث: أنْ تثبت كُلّ بيِّنة عدم مقتضى الأخرى:
يتحقَّق ذلك بأوجه عديدة، فعندما تكون إحداهما موجبة والأخرى سالبة بحيث لا تفز إحداهما فتتساقطان، أو عندما تتقابلان ولأحدهما قرينة من زيادة وصفٍ تابع فتترجَّح على الأخرى، أو عندما تتكافآن فيجمع بينهما بالتَّوفيق بالقسمة فيما يقبل القسمة، أو بإعمالها، ففي كُلّ هذه الأوجه يصدق القول بأنَّ كُلّ بيِّنة أثبتت عدم مقتضى الأخرى، وإثبات كُلّ منهما عدم مقتضى الأخرى لا يقتضي المراد استحالة الجمع بين البيِّنتين المتعارضتين.
كما ذهب إليه الحنابلة، إذ جاء في"المغني" [2] :"فإذا أكملت البيِّنة من الجانبين تعارضت الحُجَّتان لتعذُّر الجمع بينهما"، ومفهوم النَّص هو اشتراط تعذُّر الجمع لتحقُّق التَّعارض.
ودلَّ على هذا أيضًا صراحة ما جاء في"المغني"أنَّه"إنْ أقام أحدهما بيِّنة أنَّه غصبها منه، وأقام الآخر بيِّنة أنَّه أقرَّ له بها، فهي للمغصوب منه، ولا تعارض بينهما؛ لأنَّ الجمع بينهما ممكن، بأنْ يكون غصبها من هذا وأقرَّ بها، فهي للمغصوب منه، ولا تعارض بينهما؛ لأنَّ الجمع بينهما ممكن" [3] .
المبحث الثَّالث: أحكام التَّعارض بين البيِّنات:
(1) اللَّوث: هو الطي واللّي والشّرّ والجراحات والمطالبات بالأحقاد. وقيل: اللَّوث هو أنْ يشهد شاهد واحد على إقرار المقتول قبل أنْ يموت أنَّ فلان قتلني، أو يشهد شاهدان على عداوة بينهما أو تهديد منه له أو نحو ذلك. انظر: لسان العرب: لابن منظور، 2/ 185. وقيل: هو العداوة الظاهرة بين المقتول والمدعى عليه. انظر: المغني: لابن قدامة، 10/ 7.
(2) انظر: المغني: لابن قدامة، 12/ 157.
(3) انظر: المغني: لابن قدامة، 12/ 184.