ومن التخصيص كلمة (الصحابة) وهي تعني الصحبة مطلقًا، وقد خصصت بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، و (التوبة) ومعناها في اللغة الرجوع، وخصت بالرجوع عن الذنب [1] . وكلمة (الفاكهة) كانت تعني (الثمار كلها) ثم خصص هذا المعنى وأصبحت تدل على أنواع معينة من الثمار [2] .
ويفسر علم اللغة الحديث سبب التخصيص بأنه نتيجة إضافة بعض الملامح التمييزية للفظ، فكلما زادت الملامح لشيء ما قل عدد أفراده [3] .
وقد تنبه اللغويون العرب القدامى إلى ظاهرة تخصيص الدلالة في العربية وعرفوا علتها كذلك، وفي ذلك يقول أحمد بن فارس (ت 395 هـ) مشيرًا إلى التطور الاجتماعي والثقافي الذي يؤدي إلى التطور اللغوي:"كانت العرب في جاهليتها على إرثٍ من إرث آبائهم في لغاتهم وآدابهم ونسائكهم وقرابينهم، فلما جاء الله ـ جلَّ ثناؤه ـ بالإسلام حالت أحوال، ونسخت ديانات، وأبطلت أمور، ونقلت من اللغة ألفاظ عن مواضع إلى مواضع أُخَر بزيادات زيدت، وشرائع شرعت، وشرائط شرطت .. ومما جاء في الشرع: (الصلاة) ، وأصله في لغتهم: الدعاء ... وكذلك (الصيام) ، أصله عندهم (الإمساك) .. ثم زادت الشريعة النية، وحظرت الأكل والمباشرة، وغير ذلك من شرائع الصوم. وكذلك (الحج) ، لم يكن عندهم فيه غير (القصد) .. وكذلك (الزكاة) لم تكن العرب تعرفها إلا من ناحية (النماء) ، وزاد الشرع ما زاده فيها" [4] .
فهذه الألفاظ الإسلامية وغيرها كثير أصابها التطور الدلالي نتيجة التطور الاجتماعي والثقافي الذي طرأ على المجتمع العربي بعد مجيء الإسلام، وقد كان اللغويون الأوائل واعين لهذا الجانب من جوانب التطور اللغوي عارفين علله ومظاهره.
وقد تحدث السيوطي (ت911هـ) أيضًا عن هذا المظهر من مظاهر التطور الدلالي أي (تخصيص الدلالة) ضمن باب في كتابه (المزهر) سماه: (معرفة العام والخاص) ذكر فيه اللفظ (العام المخصوص) وهو عنده اللفظ الذي:"وضع في الأصل عامًا، ثم خص في الاستعمال ببعض أفراده ... وقد ذكر ابن دريد أن (الحج) أصله: قصدك الشيء وتجريدك له، ثم خُصَّ بقصد البيت، فإن كان هذا التخصيص من اللغة صلح أن يكون مثالًا فيه، وإن كان من الشرع لم يصلح، لأن الكلام فيما خصته اللغة لا الشرع."
(1) ينظر: فقه اللغة وخصائص العربية 219.
(2) ينظر: علم اللغة - مقدمة للقارئ العربي، د. محمود السعران 284.
(3) علم الدلالة 246.
(4) الصاحبي في فقه اللغة، أحمد بن فارس 78 - 86.