الصفحة 37 من 62

87.وقال جل ذكره: {قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ. النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ. إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ. وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ. وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} البروج،4 - 8. فهم قتلوهم لأنهم مؤمنون، وكما أخبرنا سبحانه وتعالى عن فعلهم بمن سبق حذرنا من مشابهة اللاحق للسابق، وأنه لا يريد لنا خيرا، ولا يألوا في ذلك جهدا، كما تضمنته آيتا آل عمران، وقال ابن كثير عند تفسير هذه الآيات (قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر) أي قد لاح على صفحات وجوههم وفلتات ألسنتهم من العداوة مع ما هم مشتملون عليه في صدورهم من البغضاء للإسلام وأهله ما لا يخفى مثله على لبيب عاقل؛ ولهذا قال تعالى: (قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون) . [1]

وقال الرازي عند قوله تعالى: {تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ} (وفيه وجوه أذكر منها ما يناسب المقام وهي:

الأول: تريدون لهم الإسلام وهو خير الأشياء، ولا يحبونكم لأنهم يريدون بقاءكم على الكفر، ولا شك أنه يوجب الهلاك.

الثاني: تحبونهم بمعنى أنكم لا تريدون إلقاءهم في الآفات والمحن، ولا يحبونكم بمعنى أنهم يريدون إلقاءكم في الآفات والمحن ويتربصون بكم الدوائر.

الثالث: تحبونهم أي تخالطونهم وتفشون إليهم أسراركم في أمور دينكم، ولا يحبونكم أي لا يفعلون مثل ذلك بكم)

إلى أن قال: أنكم تؤمنون بكتبهم كلها وهم مع ذلك يبغضونكم، فما بالكم - مع ذلك - تحبونهم وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم! وفيه توبيخ شديد بأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم). [2]

وهذا هربرت جوتشالك يذكر هذه السماحة التي يعامل بها المسلمون النصارى ويخبر عما في قلوب النصارى تجاه المسلمين فيقول في كتابه (الإسلام قوة عالمية متحركة) في الباب العاشر تحت عنوان الإسلام والمسيحية: (شهدت مسيحية القرون الوسطى على مدى ثلاثة قرون تقدم القوة الإسلامية، وانتشار عقيدة المسلمين في مختلف أقطار الأرض، فارتفعت

(1) تفسير القرآن العظيم 1/ 400. وانظر جامع البيان 4/ 60.

(2) التفسير الكبير 8/ 175، 176.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت