العالية: (من بعد ما تبين لهم الحق) من بعد ما تبين أن محمدا رسول الله يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل؛ فكفروا به حسدا وبغيا إذ كان من غيرهم). [1]
الثالث: النكاية بالمسلمين بغضا لهم وكراهية أن يوافقوا المرسلين في هديهم وسمتهم، قال ابن عاشور عند تفسير قوله سبحانه: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم} البقرة،109. وإنما أسند هذا الحكم إلى الكثير منهم، وقد أسند قوله {مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} إلى جميعهم؛ لأن تمنيهم أن لا ينزل دين إلى المسلمين يستلزم تمنيهم أن يتبع المشركون دين اليهود أو النصارى حتى يعم ذلك الدين جميع بلاد العرب، فلما جاء الإسلام شرقت لذلك صدورهم جميعا، فأما علماؤهم وأحبارهم فخابوا وعلموا أن ما صار إليه المسلمون خير مما كانوا عليه من الإشراك؛ لأنهم صاروا إلى توحيد الله والإيمان بأنبيائه ورسله وكتبه، وفي ذلك إيمان بموسى وعيسى وإن لم يتبعوا ديننا، فهم لا يودون رجوع المسلمين إلى الشرك القديم؛ لأن في مودة ذلك تمني الكفر، وهو رضى به. وأما عامة اليهود وجهلتهم فقد بلغ بهم الحسد والغيظ إلى مودة أن يرجع السلمون إلى الشرك ولا يبقوا على الحالة الحسنة الموافقة لدين موسى في معظمه؛ نكاية بالمسلمين وبالنبي - صلى الله عليه وسلم -. [2]
الرابع: الكتاب المحرف الذي لا يزيد صاحبه إلا كفرا وبغيا فقد تضمن كتابهم المقدس من الحسد للمخالف، واستكثار الخير عنده، وتمني زوال نعمته، بل ومعاتبة الله جل جلاله على إنعامه على مخالفيهم ما يدفع اللاحق إلى اقتفاء أثر السابق، فقد ورد في سفر أيوب: (6عِنْدَمَا أَتَذَكَّرُ أَرْتَاعُ، وَأَخَذَتْ بَشَرِي رَعْدَةٌ. 7لِمَاذَا تَحْيَا الأَشْرَارُ وَيَشِيخُونَ، نَعَمْ وَيَتَجَبَّرُونَ قُوَّةً؟ 8نَسْلُهُمْ قَائِمٌ أَمَامَهُمْ مَعَهُمْ، وَذُرِّيَّتُهُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ. 9بُيُوتُهُمْ آمِنَةٌ مِنَ الْخَوْفِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ عَصَا اللهِ. 10ثَوْرُهُمْ يُلْقِحُ وَلاَ يُخْطِئُ. بَقَرَتُهُمْ تُنْتِجُ وَلاَ تُسْقِطُ. 11يُسْرِحُونَ مِثْلَ الْغَنَمِ رُضَّعَهُمْ، وَأَطْفَالُهُمْ تَرْقُصُ. 12يَحْمِلُونَ الدُّفَّ وَالْعُودَ، وَيُطْرِبُونَ بِصَوْتِ الْمِزْمَارِ. 13يَقْضُونَ أَيَّامَهُمْ بِالْخَيْرِ) . أيوب 21. لماذا يقضون أيامهم بالخير؟ لماذا أطفالهم ترقص؟ لماذا يحيون ويشيخون؟
(1) تفسير القرآن العظيم1/ 154.
(2) التحرير والتنوير 1/ 669 - 670.