تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ»، «مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإِذْنِهِ» ، «إنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًَا. لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا. وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا» ، وَقَالَ تَعَالَى «وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ» ، فَجَعَلَ الطَّاعَةَ للهِ وَلِلرَّسُولِ، وَجَعَلَ الْخَشْيَةَ وَالتَّقْوَى للهِ وَحْدَهُ، وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ «وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إنَّا إلَى اللهِ رَاغِبُونَ» ، فَالْإِيتَاءُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ، وَأَمَّا التَّوَكُّلُ فَعَلَى اللهِ وَحْدَهُ، وَالرَّغْبَةُ إلَى اللهِ وَحْدَهُ.
وَأَمَّا «الْمُؤَاخَاةُ» فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آخَى بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ كَمَا آخَى بَيْنَ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ وَبَيْنَ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَكَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِتِلْكَ الْمُؤَاخَاةِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى «وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ» ، فَصَارُوا يَتَوَارَثُونَ بِالْقَرَابَةِ، وَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى «وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ» ، وَهَذَا هُوَ الْمُحَالَفَةُ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ التَّوَارُثُ بِمِثْلِ ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرَابَةِ وَالْوَلاءِ مُحْكَمٌ أَوْ مَنْسُوخٌ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَلَمَّا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «لا حِلْفَ فِي الإِسْلامِ، وَمَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلامُ إِلا شِدَّةً» .
وَالثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ مُحْكَمٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَةِ الأُخْرَى عَنْهُ.
وَأَمَّا «الْمُؤَاخَاةُ» بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ، كَمَا يُقَالُ: إنَّهُ آخَى بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَإِنَّهُ آخَى عَلِيًَّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ فَهَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ النَّاسِ ذَكَرَ أَنَّهُ فَعَلَ بِمَكَّةَ، وَبَعْضُهُمْ ذَكَرَ أَنَّهُ فَعَلَ بِالْمَدِينَةِ، وَذَلِكَ نَقْلٌ ضَعِيفٌ: إمَّا مُنْقَطِعٌ وَإِمَّا بِإِسْنَادِ ضَعِيفٍ، وَاَلَّذِي فِي الصَّحِيحِ هُوَ مَا تَقَدَّمَ، وَمَنْ تَدَبَّرَ الأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ، وَالسِّيرَةَ النَّبَوِيَّةَ الثَّابِتَةَ تَيَقَّنَ أَنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ.
وَأَمَّا عَقْدُ «الأُخُوَّةِ» بَيْنَ النَّاسِ فِي زِمَانِنَا، فَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا الْتِزَامَ الأُخُوَّةِ الإِيْمَانِيَّةِ، الَّتِي أَثْبَتَهَا اللهُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ
«إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ» ، وَقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لا يُسْلِمْهُ وَلا يَظْلِمْهُ» ، وَقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا يَبِعْ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلا يَسْتَامُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، وَلا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ» ، وَقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مِنْ الْخَيْرِ مَا يُحِبُّهُ لِنَفْسِهِ» ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْحُقُوقِ الإِيْمَانِيَّةِ الَّتِي تَجِبُ لِلْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ، فَهَذِهِ الْحُقُوقُ وَاجِبَةٌ بِنَفْسِ الإِيْمَانِ، وَالْتِزَامُهَا بِمَنْزِلَةِ الْتِزَامِ الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ، وَالْمُعَاهَدَةِ عَلَيْهَا كَالْمُعَاهَدَةِ عَلَى مَا أَوْجَبَ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَهَذِهِ ثَابِتَةٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ بَيْنَهُمَا عَقْدُ مُؤَاخَاةٍ.
وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا إثْبَاتَ حُكْمٍ خَاصٍّ كَمَا كَانَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، فَهَذِهِ فِيهَا لِلْعُلَمَاءِ قَوْلانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ أَمْ لا؟، فَمَنْ قَالَ: إنَّهُ مَنْسُوخٌ كَمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، قَالَ: إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ لَمْ يُنْسَخْ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَةِ الأُخْرَى قَالَ: إنَّهُ مَشْرُوعٌ. وَأَمَّا الشُّرُوطُ الَّتِي يَلْتَزِمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فِي السَّمَاعِ وَغَيْرِهِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: عَلَى الْمُشَارَكَةِ فِي الْحَسَنَاتِ، وَأَيُّنَا خَلَصَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خَلَصَ صَاحِبُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَهَذِهِ كُلُّهَا شُرُوطٌ بَاطِلَةٌ، فَإِنَّ الأَمر يَوْمئِذٍ للهِ وحده «يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًَا» ، وَقَالَ تَعَالَى «وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ» . وَكَذَلِكَ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًَا مِنْ الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَلا يُوفُونَ بِهَا، وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًَا مِمَّنْ دَخَلَ فِي هَذِهِ الشُّرُوطِ الزَّائِدَةِ عَلَى مَا شَرَطَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَفَّى بِهَا، بَلْ هُوَ كَلامٌ يَقُولُونَهُ عِنْدَ غَلَبَةِ الْحَالِ؛ لا حَقِيقَةَ لَهُ فِي الْمَآلِ. وَأَسْعَدُ النَّاسِ مَنْ قَامَ بِمَا أَوْجَبَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُوجِبَ عَلَى نَفْسِهِ زِيَادَاتٍ عَلَى ذَلِكَ.
وأَمَّا الشَّيْخُ عَدِيُّ بْنُ مُسَافِرِ بْنِ صَخْرٍ فَكَانَ رَجُلًا صَالِحًَا، وَلَهُ أَتْبَاعٌ صَالِحُونَ، وَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ فِيهِ غُلُوٌّ عَظِيمٌ يَبْلُغُ بِهِمْ غَلِيظَ الْكُفْرِ