بِيَدَيْهِ؛ وَبِغَيْرِ ذَلِكَ. فَهُوَ وَصَالِحُو ذُرِّيَّتِهِ أَفْضَلُ مِنْ الْمَلائِكَةِ، وَإِنْ كَانَ هَؤُلاءِ مَخْلُوقِينَ مِنْ طِينٍ؛ وَهَؤُلاءِ مِنْ نُورٍ. وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ كَبِيرَةٌ مَبْسُوطَةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ؛ فَإِنَّ فَضْلَ بَنِي آدَمَ هُوَ بِأَسْبَابِ يَطُولُ شَرْحُهَا هُنَا. وَإِنَّمَا يَظْهَرُ فَضْلُهُمْ إذَا دَخَلُوا دَارَ الْقَرَارِ «وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ» .
وَالآدَمِيُّ خُلِقَ مِنْ نُطْفَةٍ؛ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ؛ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ، ثُمَّ انْتَقَلَ مَنْ صِغَرٍ إلَى كِبَرٍ، ثُمَّ مِنْ دَارٍ إلَى دَارٍ، فَلا يَظْهَرُ فَضْلُهُ وَهُوَ فِي ابْتِدَاءِ أَحْوَالِهِ؛ وَإِنَّمَا يَظْهَرُ فَضْلُهُ عِنْدَ كَمَالِ أَحْوَالِهِ؛ بِخِلافِ الْمَلَكِ الَّذِي تَشَابَهَ أَوَّلُ أَمْرِهِ وَآخِرِهِ. وَمِنْ هُنَا غَلِطَ مَنْ فَضَّلَ الْمَلائِكَةَ عَلَى الأَنْبِيَاءِ حَيْثُ نَظَرَ إلَى أَحْوَالِ الأَنْبِيَاءِ وَهُمْ فِي أَثْنَاءِ الأَحْوَالِ؛ قَبْلَ أَنْ يَصِلُوا إلَى مَا وُعِدُوا بِهِ فِي الدَّارِ الآخِرَةِ مِنْ نِهَايَاتِ الْكَمَالِ. وَقَدْ ظَهَرَ فَضْلُ نَبِيِّنَا عَلَى الْمَلائِكَةِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ، لَمَّا صَارَ بِمُسْتَوَى يُسْمَعُ فِيهِ صَرِيفُ الأَقْلامِ، وَعَلا عَلَى مَقَامَاتِ الْمَلائِكَةِ، وَاَللهُ تَعَالَى أَظْهَرَ مِنْ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ، وَعَجِيبِ حِكْمَتِهِ مِنْ صَالِحِي الآدَمِيِّينَ مِنْ الأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ مَا لَمْ يَظْهَرْ مِثْلُهُ مِنْ الْمَلائِكَةِ، حَيْثُ جَمَعَ فِيهِمْ مَا تَفَرَّقَ فِي الْمَخْلُوقَاتِ، فَخَلَقَ بَدَنَهُ مِنْ الأَرْضِ، وَرُوحَهُ مِنْ الْمَلأِ الأَعْلَى، وَلِهَذَا يُقَالُ: هُوَ الْعَالَمُ الصَّغِيرُ، وَهُوَ نُسْخَةُ الْعَالَمِ الْكَبِيرِ.
وَمُحَمَّدٌ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، وَأَفْضَلُ الْخَلْقِ وَأَكْرَمُهُمْ عَلَيْهِ، وَمِنْ هُنَا قَالَ مَنْ قَالَ: إنَّ اللهَ خَلَقَ مِنْ أَجْلِهِ الْعَالَمَ، أَوْ إنَّهُ لَوْلا هُوَ لَمَا خَلَقَ عَرْشًَا، وَلا كُرْسِيًَّا، وَلا سَمَاءً، وَلا أَرْضًَا وَلا شَمْسَاُ، وَلا قَمَرًَا. لَكِنْ لَيْسَ هَذَا حَدِيثًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا صَحِيحًَا، وَلا ضَعِيفًَا، وَلَمْ يَنْقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَلْ وَلا يُعْرَفُ عَنْ الصَّحَابَةِ، بَلْ هُوَ كَلامٌ لا يُدْرَى قَائِلُهُ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَسَّرَ بِوَجْهِ صَحِيحٍ كَقَوْلِهِ «سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ» ، وَقَوْلُهُ «وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوهَا» ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنْ الآيَاتِ الَّتِي يُبَيِّنُ فِيهَا أَنَّهُ خَلَقَ الْمَخْلُوقَاتِ لِبَنِي آدَمَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ للهِ فِيهَا حِكَمًَا عَظِيمَةً غَيْرَ ذَلِكَ، وَأَعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنْ يُبَيِّنُ لِبَنِي آدَمَ مَا فِيهَا مِنْ الْمَنْفَعَةِ وَمَا أَسْبَغَ عَلَيْهِمْ مِنْ النِّعْمَةِ، فَإِذَا قِيلَ: فَعَلَ كَذَا لِكَذَا لَمْ يَقْتَضِ أَنْ لا يَكُونَ فِيهِ حِكْمَةٌ أُخْرَى. وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْقَائِلِ: لَوْلا كَذَا مَا خُلِقَ كَذَا لا يَقْتَضِي أَنْ لا يَكُونَ فِيهِ حِكَمٌ أُخْرَى عَظِيمَةٌ، بَلْ يَقْتَضِي إذَا كَانَ أَفْضَلُ صَالِحِي بَنِي آدَمَ مُحَمَّدٌ، وَكَانَتْ خِلْقَتُهُ غَايَةً مَطْلُوبَةً وَحِكْمَةً بَالِغَةً مَقْصُودَةً أَعْظَمَ مِنْ غَيْرِهِ صَارَ تَمَامَ الْخَلْقِ وَنِهَايَةَ الْكَمَالِ حَصَلَ بِمُحَمَّدِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَاللهُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، وَكَانَ آخِرُ الْخَلْقِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، وَفِيهِ خُلِقَ آدَمَ، وَهُوَ آخِرُ مَا خُلِقَ، وَذَلِكَ بَعْدَ الْعَصْرِ فِي آخِرِ يَوْمِ الْجُمْعَةِ. وَسَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ هُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، آدَمَ فَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِهِ، وَهُوَ الْقَائلُ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إنِّي عِنْدَ اللهِ لَمَكْتُوبٌ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ» : أَيْ كُتِبَتْ نُبُوَّتِي، وَأُظْهِرَتْ لَمَّا خُلِقَ آدَمَ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، كَمَا يَكْتُبُ اللهُ رِزْقَ الْعَبْدِ وَأَجَلَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ إذَا خُلِقَ الْجَنِينُ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ.
فَإِذَا كَانَ الإِنْسَانُ هُوَ خَاتَمُ الْمَخْلُوقَاتِ وَآخِرُهَا، وَهُوَ الْجَامِعُ لِمَا فِيهَا، وَفَاضِلُهُ هُوَ فَاضِلُ الْمَخْلُوقَاتِ مُطْلَقًَا، وَمُحَمَّدٌ إنْسَانُ هَذَا الْعَيْنِ؛ وَقُطْبُ هَذِهِ الرَّحَى، وَأَقْسَامُ هَذَا الْجَمْعِ كَانَ كَأَنَّهُ غَايَةُ الْغَايَاتِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ، فَمَا يُنْكَرُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ لأَجْلِهِ خُلِقَتْ جَمِيعهَا، وَإِنَّهُ لَوْلاهُ لَمَا خُلِقَتْ على معنى هَذَا الْكَلامُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَأَمَّا إذَا حَصَلَ فِي ذَلِكَ غُلُوٌّ مِنْ جِنْسِ غُلُوِّ النَّصَارَى بِإِشْرَاكِ بَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ فِي شَيْءٍ مِنْ الرُّبُوبِيَّةِ كَانَ ذَلِكَ مَرْدُودًا غَيْرَ مَقْبُولٍ؛ فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ» ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى «يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إلا الْحَقَّ إنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًَا لَكُمْ إنَّمَا اللهُ إلَهٌ وَاحِدٌ» ، وَاَللهُ قَدْ جَعَلَ لَهُ حَقًَّا لا يُشْرِكُهُ فِيهِ مَخْلُوقٌ، فَلا تَصْلُحُ الْعِبَادَةُ إلا لَهُ، وَلا الدُّعَاءُ إلا لَهُ، وَلا التَّوَكُّلُ إلا عَلَيْهِ، وَلا الرَّغْبَةُ إلا إلَيْهِ، وَلا الرَّهْبَةُ إلا مِنْهُ، وَلا مَلْجَأَ وَلا مَنْجَا مِنْهُ إلاإلَيْهِ، وَلا يَاتِي بِالْحَسَنَاتِ إلا هُوَ، وَلا يُذْهِبُ السَّيِّئَاتِ إلا هُوَ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلا بِهِ، «وَلا