الصفحة 8 من 36

وجه الدلالة:

قيل في معنى الإعراض المذكور في الآية الكريمة: «هما الرجلان يجلسان بين يدي القاضي, فيكون لي القاضي وإعراضه لأحدهما على الآخر [1] وهذا منهي عنه شرعًا؛ لأن فيه إعانة على أحد الخصمين، ومكسرة الآخر، والقاضي مأمور بالتسوية بينهما [2] .

ثانيا: من السنة:

عن أم سلمة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «من ابتُلي بالقضاء بين المسلمين, فليعدل بينهم في لفظه, وإشارته, ومقعده» [3] وروي عنها أيضًا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «من ابتُلي بالقضاء بين المسلمين, فلا يرفعن صوته على أحد الخصمين ما لا يرفع على الآخر» [4] .

وجه الدلالة:

في هذين الحديثين دليل صريح على وجوب التسوية بين الخصوم في كل ما يمكن العدل فيه.

من الأثر:

ورد في كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قوله: «آسِ بين الناس في مجلسك, وفي وجهك, وقضائك؛ حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك» [5] .

وورد عن الشعبي أنه قال: «كان بين عمر -رضي الله عنه- وأبي بن كعب -رضي الله عنه- حائط يدعيان جميعًا، فتقاضيا إلى زيد بن ثابت -رضي الله عنه- فأتياه فضربا الباب، فسمع زيد صوت عمر -رضي الله عنه- فاستقبل, فقال: «ألا أرسلت إليَّ يا أمير المؤمنين» فقال: «في بيته يؤتى الحكم» فوسَّع له زيد عن صدر فراشه، فقال: «هاهنا يا أمير المؤمنين» فقال له عمر: «جرت في أول القضاء, ولكن أجلسُ مع خصمي» فجلسا فادعى أبي, وأنكر عمر, فقال زيد لأبي: «اعف أمير المؤمنين من اليمين، وما كنت لأسألها لأحد غيره» فحلف عمر, ثم أقسم «لا يدرك زيد باب القضاء حتى يكون عمر ورجل من عرض المسلمين عنده سواء» [6] .

من المعقول:

قال ابن القيم: «في تخصيص أحد الخصمين بمجلس, أو إقبال, أو إكرام مفسدتان:

إحداهما: طمعه في أن تكون الحكومة له, فيقوى قلبه وجنانه.

والثانية: أن الآخر ييأس من عدله, ويضعف قلبه, وتنكسر حجته [7] .

(1) «تفسير الطبري» (9/ 307) .

(2) «المغني» لابن قدامة (9/ 80) .

(3) أخرجه الدارقطني في «السنن» (4/ 205) البيهقي في «السنن الكبرى» (10/ 135) .

(4) «السنن الكبرى» للبيهقي (10/ 135) رواه الطبراني في «الكبير» انظر «كنز العمال» (3/ 308) .

(5) «سنن الدارقطني» (4/ 206) «السنن الكبرى» للبيهقي (10/ 150) .

(6) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (10/ 136) قال السرخسي في «المبسوط» معلقًا على الأثر: «وهو يدل على أن الخصومات كانت تقع بين كبار الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ ولا يظن بهم إلا الجميل, فيحمل على أن الأمر قد يشتبه عليهم، فيختصمون كي يظهر الحق, ولا يظن بهم إلا هكذا» . «المبسوط» (16/ 73) .

(7) «إعلام الموقعين عن رب العالمين» لابن قيم الجوزية (1/ 89) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت