أ- بما روي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قضى أن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم [1] .
وجه الدلالة:
أن هذا الحديث بعمومه يفيد أنه لا فرق بين المسلم وغيره في مجلس القضاء, ولو كان هناك فرق لبيَّنه النبي -صلى الله عليه وسلم- فدل على المساواة؛ ولذا قال ابن نجيم في «البحر الرائق» : «إن النصوص الواردة بالمساواة عامة بلا مخصص» [2] .
ب- ما أخرجه أبو يعلي, والدارقطني, والطبراني في «الكبير» عن أم سلمة -رضي الله عنها- أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: «من ابتلي بالقضاء بين الناس فليعدل بلفظه, ولحظه, وإشارته, ومقعده, ومجلسه, ولا يرفع صوته على أحد الخصمين ما لم يرفع على الآخر» [3] .
وجه الدلالة:
تبين من الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر من يلي القضاء بأن يعدل بين الناس, وكلمة «الناس» عامة تشمل المسلم وغير المسلم, فتكون التسوية واجبة بين الخصوم مطلقًا؛ لعموم الحديث.
ثالثًا: دليل الأثر:
ورد في كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري: «وآسِ بين الناس في وجهك, وعدلك, ومجلسك, حتى لا يطمع شريف في حيفك, ولا ييأس ضعيف من عدلك» [4] .
وجه الدلالة:
في هذا الأثر يأمر عمر -رضي الله عنه- قاضيه وعامله بالتسوية بين الناس في مجلس قضائه حتى يستقر الحق في نصابه، ومثل هذا القول من عمر لا يكون إلا بتوقيف, وليس من قبل الرأي والاجتهاد, وخصوصًا وأن الفتوحات قد انتشرت في عهد عمر بن الخطاب, واختلط المسلمون بغيرهم, فما ينبغي أن يطمع المسلم لشرف دينه في حيف القاضي في إجلاسه متقدمًا, وما ينبغي أن ييأس الذمي لخساسة دينه من عدل القاضي في إجلاسه متأخرًا.
رابعًا: دليل المعقول:
إن التسوية بين الخصمين إذا كان أحدهما غير مسلم تدعو إلى العدالة، وإلى بيان فضائل الإسلام, وما فيه من مزايا فاضلة، وسجايا حميدة, ومن قرأ قوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) [5] وقوله ـ جل شأنه ـ: (وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا) [6] .
(1) أخرجه أبو داود في «السنن» كتاب الأقضية, باب كيف يجلس الخصمان بين يدي القاضي؟ رقم 3588 «المستدرك» للحاكم (4/ 106) برقم 7029.
(2) «البحر الرائق» (6/ 306) .
(3) أخرجه الدارقطني في «سننه» كتاب الأقضية والأحكام, وغير ذلك حديث 4420, وإسناده ضعيف لضعف عباد بن كثير.
(4) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» كتاب آداب القاضي, باب إنصاف الخصمين (15/ 137) .
(5) سورة النساء الآية 105.
(6) سورة النساء الآية 107.