المطلب الأول
مساواة المسلم بغير المسلم
اتفق الفقهاء على وجوب التسوية بين الخصمين في مجلس القضاء إذا كانوا مسلمين، لا فرق في ذلك بين الخليفة والرعية، الكبير والصغير، الشريف والدنيء إلا أن خلافًا حصل بين العلماء في المساواة بين الخصمين إذا كان أحد الخصمين ذميًّا والآخر مسلمًا، فهل يسوِّي بينهما في المجلس؟.
وجاء خلافهم على قولين:
القول الأول:
ذهب إليه جمهور الفقهاء من الحنفية [1] والمالكية [2] والحنابلة [3] إلى وجوب التسوية بين الخصمين في مجلس القضاء, فإن أبى المسلم ذلك ـ وهو الطالب ـ فلا يحكم له, ولا ينظر في أمره حتى يتساويا في المجلس ويرضى بالحق، وإن كان هو المطلوب قال القاضي للمسلم: «إما تساويه في المجلس, وإلا نظرت له, ولم ألتفت إليك, ولم أسمع منك» فإن فعل نظر له، وأضاف الحنفية وقالوا: «إلا أنه لا يجب عليه التسوية بينهما بالقلب» [4] .
القول الثاني:
وذهب الشافعية إلى عدم التسوية بين المسلم والكافر في مجلس القضاء, بل يرفع موقف المسلم على موقف الكافر [5] .
الأدلة والمناقشة:
استدل جمهور الفقهاء على وجوب التسوية بين الخصمين في مجلس القضاء وسواء كانا مسلمين, أو مسلم وغير مسلم بالكتاب, والسنة, والأثر, والمعقول.
أولًا: دليل الكتاب:
قال تعالى: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ) [6] .
وجه الدلالة:
ذكر في تفسير هذه الآية: أي وإن تحكموا بالإنصاف والتسوية إذا قضيتم بين من ينفذ عليه أمركم سواء مسلم أو غير مسلم, والآية خطاب لكل من ولِّي من أمر المسلمين شيئًا, وعلى رأسهم القاضي بعد الأمام الأعظم.
ثانيًا: دليل السنة:
(1) «البحر الرائق» (6/ 306) «المبسوط» (16/ 61) .
(2) «تبصرة الحكام» (1/ 46) .
(3) «المغني» (9/ 82) .
(4) «البحر الرائق» (6/ 306) .
هذا لا يعني أن يظلم الذمي لحساب المسلم، وإنما المقصود ـ والله أعلم ـ أن الميل القلبي عند القاضي لابد, وأن يكون للمسلم فطرة، فإن أوجبنا عليه أن يسوِّي فيما لا يملكه كان الإيجاب في غير محله؛ ولذا قالوا: «لا يجب عليه التسوية بالقلب بينهما» .
(5) «الحاوي الكبير» (20/ 346) .
(6) سورة النساء الآية 58.