وقالوا أيضًا: «مقتضى النهي فساد المنهي عنه» وقد رجح الصنعاني هذا الرأي فقال: «ثم الظاهر [1] أيضًا عدم نفاذ الحكم مع الغضب, إذ النهي يقتضي الفساد والتفرقة بين النهي للذات, والنهي للوصف كما يقول الجمهور غير واضح [2] .
الراجح:
أرى بإذن الله تعالى رجحان ما ذهب إليه جمهور الفقهاء, وأصحاب القول الأول من أن القاضي لو حكم في حال الغضب صح حكمه إن صادف الحكم مع الكراهة؛ وذلك لأن النهي الوارد في حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- ليس لذات الغضب, وإنما لوصف قد يؤدي إليه، وهو تشويش الفكر الذي قد يؤدي إلى الظلم، فإن صادف الحكم الصواب تبين أن ذلك الوصف لم يتحقق.
وأيضًا: أن إثبات مثل هذه العوارض أثناء الحكم, أو أثناء النظر أمر عسير جدًّا، فكيف يعلم الخصمان أن القاضي جائع, أو عطش, أو حاقن, أو أنه شارد الذهن لحزن أو همٍّ أصابه؟! فكل ذلك لا يعلمه إلا القاضي من نفسه؛ ولذلك كان القول قول الجمهور من أن «قضاءه ينفذ إلا أنه يأثم بذلك لأنه خالف أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- فيؤاخذ بذلك ديانة, ولا يفسد حكمه» فإن ثبت أنه قضى على هذه الحال كأن يقر هو بذلك, فالقول قول الحنابلة وبعض المالكية «أنه لا ينفذ إلا إذا وافق الحق» والله أعلى وأعلم.
أما عن موقف القانون الوضعي من هذه الآداب التي يراعيها القاضي أثناء نظره الدعوى, فلا يوجد في التشريع الوضعي ما يماثل ذلك المقرر في الفقه الإسلامي, مما يلزم القاضي بتجنب القضاء في مثل تلك الظروف والأحوال, مع أن ما قرره الفقهاء المسلمون في هذا الصدد يعتبر وسيلة مجدية لتحقيق نزاهة القاضي التي استهدفها التشريع الوضعي في كثير من نصوصه [3] .
(1) «المغني» لابن قدامة (10/ 99) .
(2) «سبل السلام» (4/ 163، 164) .
(3) «نظرية الدعوى» (ص461) .