التحقيق في حال مسند الإمام زيد بن علي
مسند الإمام زيد يشتمل على 600 رواية بعضها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبعضها عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فهل هذا الكتاب ثابت النسبة إليه؟!
لا يشك من عنده أدنى معرفة بالروايات أن مسند الإمام زيد مكذوب عليه، فقد تفرد بروايته عنه عمرو بن خالد الواسطي وهو مشهور بالكذب عند المحدثين، وقد روى في هذا الكتاب كثيرا من الأحاديث المعروفة عن عدة من الصحابة لكن جعلها كلها عن علي بن أبي طالب وجعل كل أسانيدها هكذا: حدثني زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده عن أمير المؤمنين علي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أحاديث معروفة في كتب الحديث بأسانيد متنوعة عن عدة من الصحابة، وبعضها معروفة لكن هذا الكذاب زاد في تلك الأحاديث كما هو ظاهر لمن يعرف الأحاديث، والعجيب أن الإمام محمد الباقر وهو أخو زيد بن علي لم يرو شيئا منها مع أن أباهما علي بن الحسين ومحمد الباقر أكبر من زيد بأربع وعشرين سنة فإنه ولد سنة 56 هـ ومات سنة 118 هـ!!
وزيد بن علي ولد سنة 80 هـ وأبوه علي بن الحسين مات سنة 94 هـ فيكون سن زيد عند وفاة أبيه نحو 14 سنة، ولم يرو عنه إلا حديثين ذكرهما أهل الحديث كما في مسند أحمد وسنن الترمذي والنسائي وابن ماجه، ومع هذا يتعصب بعض الزيدية ويجزم بنسبة مسند الإمام زيد إليه، ولا عجب في هذا فإن الزيدية لا يهتمون بتحقيق الأسانيد، ونتحداهم أن يأخذوا عشرة أحاديث فقط من مسند الإمام زيد ويأتوا بمتابعة فيها لعمرو بن خالد ولو من رواية أولاده كالحسين بن زيد أو عيسى بن زيد، أو يأتوا بمتابعة لزيد بن علي المفترى عليه، ولو من رواية إخوانه محمد الباقر أو عبد اللَّه بْن علي، أو عُمَر بْن علي، أو علي بْن علي، أو الحسين بْن علي، أو يأتوا بمتابعة لأبيهما علي بن الحسين، أو للحسين بن علي عليهم السلام، فإن لم يستطيعوا فليأتوا بخمسة أحاديث، فإن لم يستطيعوا فليأتوا بحديث واحد فقط من مسند الإمام زيد ويذكروا راويا واحدا فقط رواه عن زيد رحمه الله غير عمرو بن خالد الذي تفرد برواية المسند عن الإمام زيد رحمه الله.
ولأن بعض القراء لا يعرف معنى المتابعات نقول: إن الحديث الذي يرويه الصحابي يرويه عنه أحد التابعين أو اثنان أو أكثر من التابعين، ثم كل راو من التابعين يرويه عنه راوِ أو أكثر من أتباع التابعين وهكذا، فيكون الحديث كالأهرام يرويه صحابي مثلا ثم عنه ثلاثة من الرواة مثلا ثم عنهم عشرة مثلا ثم عنهم خمسون وهكذا، وبجمع طرق الحديث يعرف المحدثون من زاد ومن نقص ومن أخطأ ومن يكذب؛ لأنهم يقارنون روايات الراوي بروايات زملائه فينظرون من تابعه عن شيخه أو أنه تفرد بالرواية عن شيخه، فينظرون من تابع شيخ شيخه وهكذا.
وهذه مقارنة بين حديث من مسند الإمام زيد وبين نفس الحديث من كتب أهل الحديث:
جاء في مسند زيد رقم (122) قال عمرو بن خالد الواسطي: حدثني زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام قال: (( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في الفجر يوم الجمعة تنزيل السجدة ثم يسجد بها، ويكبر إذا سجد وإذا رفع رأسه؛ وفي الثانية قرأ بعد الفاتحة بـ: {هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ} .
فهذا الحديث معروف في كتب الحديث بأسانيد محفوظة، ولا يوجد أحد تابع الواسطي الكذاب في رواية هذا الحديث عن زيد، فهذا الحديث رواه أربعة من الصحابة، ورواه عنهم عدد من التابعين، ثم رواه عن التابعين عدد من أتباع التابعين، وهذه بعض أسانيده:
جاء في صحيح مسلم (2/ 599) :
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبدة بن سليمان، عن سفيان، عن مخول بن راشد، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس،"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الفجر، يوم الجمعة: الم تنزيل السجدة، وهل أتى على الإنسان حين من الدهر، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة، والمنافقين". وحدثنا ابن نمير، حدثنا أبي، وحدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، كلاهما عن سفيان بهذا الإسناد مثله، وحدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن مخول بهذا الإسناد مثله، في الصلاتين كلتيهما، كما قال سفيان. حدثني زهير بن حرب، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم،"أنه كان يقرأ في الفجر، يوم الجمعة: الم تنزيل، وهل أتى"حدثني أبو الطاهر، حدثنا ابن وهب، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن الأعرج، عن أبي هريرة،"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الصبح، يوم الجمعة: بالم تنزيل في الركعة الأولى، وفي الثانية هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا".